وحدها تونس لا تحتاج فيها "الحركة الإخوانية" إلى التذاكي وهي تشارك في الحياة السياسية الجديدة. في مصر، ابتكرت جماعة الإخوان المسلمين حزباً سياسياً يكون أداتها في العمل السياسي، متّبعة التقليد ذاته الذي سلكته فروع الجماعة في بلدان عربية مارس فيها الإخوان شيئاً من السياسة خلال العقدين الأخيرين، ومن بينها الأردن. فلماذا تفعل الجماعة ما يبدو أنه لا يلزمها بالضرورة، بدليل ترفّعها عنه في تونس؟
قد يُقال إن الحزب مفتوح لكل المواطنين، بينما عضوية الجماعة مقصورة على هؤلاء المنظّمين فيها، وهي الجماعة السريّة التي لا يعرف معظم أعضائها بعضهم بعضاً. وقد يُقال إن الحزب مفتوح أيضاً لعضوية غير المسلمين، وهو ما كان أوضحه المرشد العام للجماعة في مصر، حين أعلن نية تأسيس "حزب الحرية والعدالة" أواخر شباط (فبراير) 2011، وتلك "ميزة" لا يمكن أن تكون في الجماعة. وربما يُقال إن الحزب يحمل عن الجماعة تبعات العمل السياسي الذي يلزمه في أحيان كثيرة تنازلات و"تدوير زوايا"، لا تحتملها ضرورة التزام الجماعة بمبادئ ثابتة للحفاظ على صورتها كحركة دينية دعوية مثالية، أمام الرأي العام، وأمام أعضائها من غير المسيّسين.
أتساءل مجدداً، رغم تلك الإجابات المحتملة: لماذا لم تفعل الجماعة في تونس، إذن، الشيء نفسه؟ ولماذا دخلت "حركة النهضة" بنفسها ميدان السياسة، بما في ذلك تولي أمينها العام رئاسة الحكومة، ولم تلجأ إلى تشكيل حزب سياسي يحافظ على "السريّة" و"الصورة المثالية"، المفترضتين طبعاً؟! ربما يمكن اكتشاف الإجابة من خلال مراجعة تاريخ "النهضة".
تأسست الحركة على يد أستاذ الفلسفة راشد الغنوشي والمحامي عبدالفتاح مورو، في أواخر ستينيات القرن العشرين تحت اسم "الجماعة الإسلامية". واقتصر نشاطها في البداية على الدروس الدينية في المساجد، ولقيت حينها ترحيباً ضمنياً من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم، الذي كان يسعى إلى مواجهة اليسار المهيمن وقتها على المعارضة. غيّرت الجماعة اسمها في العام 1981 إلى "حركة الاتجاه الإسلامي"، وتقدمّت بطلب للسلطات للحصول على إشهار رسمي، لكن من دون أن تتلقى رداً. بعد نحو شهر، ألقي القبض على قياداتها وحوكموا بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخصة. شهد منتصف الثمانينيات صعوداً للحركة وتنامياً لصداماتها مع السلطة. وفي العام 1989 غيّرت اسمها إلى "حركة النهضة" للتقيد بقانون الأحزاب الذي صدر عقب تولي زين العابدين بن علي السلطة، كونه يمنع "إقامة أحزاب على أساس ديني"، إلا أن طلبها بالترخيص قوبل بالرفض، وانطبعت علاقتها بالسلطة منذ ذلك الحين بالصدام والعنف حتى الإطاحة ببن علي (المصدر: "ويكيبيديا" بتصرّف).
إنها، إذن، "حركة سياسية" بامتياز، لا تتدثر بالنزاهة الدعوية. إنها تنطلق من فهم أن السياسة والمشاركة العامة، هي "الدعوة" الإسلامية الحقيقية، بدل التركيز على الدعوة لأداء شعائر العبادات، وعلى العمل الاجتماعي الخيري القائم على فكرة إحسان الأغنياء إلى الفقراء، كما تفعل "جماعات" الإخوان في البلدان الأخرى.
الجماعة في تونس مختلفة إذن؛ إنها تتوفر على فهم مدني لا تعرفه فروع الجماعة في البلدان العربية الأخرى، التي تنهشها الطائفية والقبلية وأدوات المحاصصة الشبيهة. بكلمات أكثر دقة؛ تونس هي المختلفة، والمجتمع التونسي هو المختلف بسبب تقدم ثقافته المدنية، فيكون طبيعياً أن تتبدى فيه الحركات الأيديولوجية بشكل مختلف عمّا هي عليه في المجتمعات الأخرى، أي بما يتناسب مع درجة تطوره المدني، كونها جزءا منه وانعكاسا له.
كل شيء يؤكد أن الحبيب بورقيبة كان يستبد بالسلطة على مدار ثلاثين سنة، في الوقت نفسه الذي يمكّن فيه التونسيين، بوعي وتخطيط أو بدونهما، من امتلاك أدوات الثورة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد