لم يكن الناس انذاك ينشغلون بأمر مثل هذه الحيوانات الأليفة  فالبطالة والكساد وسوء الاحوال وقلة المال اجبرتهم على العناية باولادهم او ما ينفعهم من الدواب كالاغنام والابقار او الحمير وحيث ان الكلاب والقطط منتشرة في كل  مكان فلماذا ناخذها من بلد الى اخر ثم ان اصحاب البيوت لايرحبون بالمستأجرين الذين يصطحبونها حفاظا على بيوتهم وبساتينهم من العبث ... اضافة الى ان الكلاب " نجسة" ...
اخذت فرح تحاول تهدئتي وتعدني بالبحث عن قطة جديدة وكلب جديد حال استقرارنا في المنزل الجديد ولكن هذا لم يواسيني فأنا اريد ... كلبي وقطتي اريدها ولا اريد غيرها ... هي التي احبها واتمنى وجودها معي...هي التي أحبتني وهي التي تعرفني من بين الجميع.. 
لم اكن قد ركبت سيارة من قبل فقد كنت ملازمة لامي فالنساء يلزمن بيوتهم ثم ان السفر مكلف ولم تكن لنا به حاجة. 
سارت السيارة في طريق ضيق ذو اتجاه واحد واغصان اشجار الزيتون الوارفة تلاحقها وتلامس جنباتها فتتمايل يمينا ويسارا، بينما راحت اختي فرح تبعد (العفش) عنا بيدها خشية سقوطه فوقنا من حركة السيارة المستمرة ثم ربطت قطعة كبيرة من القماش على جانبي السيارة لتوفر لنا بعض الظل .. فالجو وان كان ربيعيا الا ان حرارته اشتدت عند الظهيرة  "شمس الربيع تضر الرضيع" . كما يقولون.
بعد سير خيل لي انه طويل وانا سارحة بأفكاري فيمن تركناهم خلفنا توقفت السيارة ونزلت امي واخواتي فدخلنا احد الحقول نستظل تحت اشجاره ثم قامت امي بمسح وجوهنا بالماء البارد الذي ملأت به جالونا قبل مغادرتنا واخرجت صرة بيضاء فيها بعض الطعام بينما اخذ والدي والسائق مكانا منعزلا بعيدا عنا فأرسلنا لهما بعضا منه.... 
جلس والدي يدخن سيجارة سارحا بفكره الى المجهول وكأن هموم الدنيا تجمعت في داخله وفوق راسه..عائلة كبيرة اطفال وصغار ووالدان شابان ومستقبل مجهول ووطن ضائع ... انتهينا من تناول طعامنا فقامت أمي بجمع فتافيت الخبز وبقايا البندورة ووضعتها في ورقة وأودعتها جذع الشجرة لأن "النعمة" لا يجوز أن تبقى تحت الأرجل ..عدنا الىالسيارة من جديد فأخذ كل منا مكانه وبعد مسير ما يقرب من الساعة توقفنا قليلا..ونزل والدي واخذ ينظر يمنه ويسرة ثم اشار للسائق بان يتوجه الى ناحية اليمين وقبل ان يعود الى مكانه جاءنا وقال: وصلنا يا بنات.. فقد كنا في ذلك الوقت أربع بنات اضافة الى أخي منذر... هذه هي البلدة اجزم ان الرحلة اتعبتكن... سنستريح بعد قليل ان شاء الله ... 
دخلنا البلدة من الجهة التي اشار اليها والدي وبدأت السيارة تتسلق تلا صغيرا بجهد ملحوظ كعجوز غادره الشباب منذ دهروينوء ظهره بهموم السنين فتهتز قدماه ويترنح جسده.. كانت البلدة هادئة خضراء اختفت منازلها بين الاشجار الكثيفة ولم نرى منها سوى مئذنة الجامع العالية تطل بشموخ في السماء واخذت فرح تقول: 
يا سلام ما أكثر الشجر ؟ الظاهر ان البلدة جميلة جدا ...
انا مشتاقة للوصول الى بيتنا الجديد.
اما انا فلم اكن مشتاقة ابدا...علا صوت السيارة وتباطأت عجلاتها اكثر. 
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   الحب والخبز ... الشهادة المخلصة