عفريت أم جميل
عندما ولولت الساكنة الجديدة في الطابق الثاني تصرخ في جوف الليل هب أبو نبيل من نومه مذعورا يردد " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"..فرك وجهه بيده ونظر الى زوجته فوجدها تغط في نومها، فاعتقد أنه سمع ما سمع أثناء كابوس في منامه أو ربما تهيأ له ذلك..
حاول النوم فلم يستطع فقد تكرر الصوت ثانية وثالثة.. نهض من سريره وأطل برأسه من نافذة الشرفة التي يأتي منها الصريخ علّه يرى أو يسمع ما يفيد استغرابه..
" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. من هذه المرأة ولماذا تصرخ في مثل هذا الوقت.." توجه الى غرفة الصالة ونظر الى ساعة الحائط المعلقة في واجهة الغرفة ..كانت الساعة تقارب الواحدة بعد منتصف الليل..
عاد الى سريره ولكن الصوت باغته مرة أخرى سرق نومه وزاد حيرته عاد يطل برأسه من نفس المكان فسمع هرجا ومرجا خافتا يطلب من المرأة أن تخفض صوتها فالناس نيام ولا يجوز ذلك ولكن الصوت استمر دون انقطاع حتى الصباح..
عندما أفاقت زوجته سألها ان كانت سمعت ما سمع فأجابت بالنفي واستغربت ما يقول..ولكنها وبعد أن ذهب الى العمل وخرج الأولاد الى المدرسة وبينما هي منهمكة في أعمال منزلها تنظف حمام الأبناء القريب من البلكونة المطلة الى الخارج سمعت صوت امرأة تصرخ وضعت قارورة التنظيف من يدها وتوجهت تفعل ما فعله زوجها في ليلته العسيرة فأطلت برأسها من نفس المكان فتأكد لها مصدر الصوت :" لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.. خير ان شاء الله".
اتصل أبو نبيل ليطمئن عما يجري في البناية فأخبرته زوجته أنها سمعت هي أيضا الصوت وأن المراة ما زالت تصرخ.." أعوذ بالله ماذا يجري" تساءل أبو نبيل " لا أعرف والله.." ردت أم نبيل..
استمر الوضع على هذا الحال أكثر من أسبوع وبات حديث سكان الحي نساء ورجالا كما بات موضع تساؤل واستغراب..
في أحد الأيام وفي ساعات الضحى حضرت الجارات الى منزل أم نبيل زائرات ومستفسرا كل تحاول أن تخمن سبب صراخ تلك المرأة وتدلو بدلوها:
أم خليل : أعتقد أن زوجها مجرم وأنه يقوم بضربها في الليل.
أم خالد : هل يعقل أن رجل يضرب زوجته في عز الليل ؟ لا أصدق ذلك؟
أم وليد : لم لا تصدقين ربما يطلب منها ما لا ترضاه ولا تقبله.
أو محمد : والله أنها فاجرة كيف تسمح لنفسها بالصراخ بأعلى صوتها طيلة الليل ألا تخشى
على سمعة بناتها ..ألا تخجل من الجيران..أي نوع من النساء هذه المرأة..
أم سعد : لا أظن أن الأمر كذلك أعتقد أن المرأة مريضة مرضا شديدا وقد يعطونها بعض
الحقن أو الأدوية التي تتسبب لها بألم شديد يفقدها صوابها.. أظن المرأة في محنة
الله أعلم بمصيبتها..
أم زيد : أوافق أم سعد..البيوت أسرار ولا يجوز أن نتهم المرأة قبل أن نتعرف اليها فقد
تكون مظلومة.
أم نبيل : لماذا لا نحاول زيارتها ومعرفة ظروفها..فهي جارة لنا ولا يجوز أن نتركها هكذا
قد تكون بحاجة لمساعدة ما.. النبي أوصى بسابع جار..
اتفقت الجارات على زيارة أم جميل وأخذت أم نبيل على عاتقها ترتيب الأمر الا أن أم خليل
نصحت بعدم التسرع والأنتظار حيث سمعت من البعض أن شيئا غامضا يدور في شقة المرأة المعنية ويبدو أنهم لا يرغبون بكشف أسرارهم ولا يحبون الزيارت ولا الأحتكاك مع الآخرين.. فتوقف مشروع الزيارة أو بالأحرى ألغي.
شهر كامل مر على انتقال عائلة أبو جميل الى البناية لم يتغير الحال ولم يتوقف الصراخ الرهيب الذي كان يشق صمت الليل كل ليلة.
في البداية التزم الجيران الصمت والأدب مع غياب تفسير لهذه الظاهرة العجيبة الغريبة عن حيهم ولكن الأوضاع تغيرت فقد طال الانتظار ولا تبدو النهاية قريبة .
وفي ليلة من الليالي لم يستطع أبو زيد النوم فهب مهرولا درجات السلم الى جاره أبو نبيل يسأله العمل والى متى ينتظرون:
- والله يا أبو زيد لا أعرف ماذا سنفعل..أنت تعلم أن للجيرة حقوق علينا أن نحترمها.
- والله يا أبو نبيل أنا شقتي ملاصقة لشقتهم ولا أستطيع النوم وعندما أصحو صباحا لا أستطيع النهوض من فراشي والذهاب الى عملي..لا بد من حل.
- ما رأيك ماذا نستطيع أن نفعل؟
- يجب أن نتصرف.
- كيف.
- نشكوهم للشرطة مثلا.
- لا...أعوذ بالله يا رجل نشكو جيراننا!
- اذن ماذا نفعل أفدني..
- ننتظر كم يوم فقد يجعل لهم الله مخرجا من أمرهم.
- لا بأس يا جار أنا والله لا أريد الأذى ولكن الأمر طال ولا يمكن السكوت أكثر.
- أظن أن الموضوع غير ما نفكر..فالرجل يبدو هادئا وفي حاله من غير المعقول أن يضرب زوجته كل يوم..لا بد أن هناك ما يوجب صراخ ام جميل على نحو ما نسمع..
- ليس أبو جميل من يفعل ذلك وليست أم جميل من تصرخ ولكنه ولده..يبدو ولدا قاسيا لا يفهم كيف يتعامل مع بنات الناس...علينا أن ننقذ البنت..ونتصرف.
- أنتظر أن توافينا بما نفعل قريبا.
- ان شاء الله.
لم يتوقف الأستغراب عند حدود البناية التي سكنتها أم جميل مؤخرا بل تعداه الى البنايات الأخر المجاوة بل الى الحي بأكمله.. وأخذ الناس يتهامسون:
- المرأة مجنونة.
- البناية مسكونة..نعم مسكونة لقد استولى البنك عليها ولم يرغب صاحبها في ذلك وما زالت نفسه فيها..روحه في البناية..شبحه يسكنها.
- الرجل ما زال على قيد الحياة..وحدّي الله..
- الرجل سادي وعنيف ويبدو في وجهه اللؤم والقسوة..
- لا..لا ليس أبو جميل الذي يضرب زوجته ...بل ولده..أنا أرى شاب وشابه يخرجان للعمل يوميا من الصباح .
- وكيف تخرج للعمل من الصباح من تتعرض للضرب طيلة الليل.؟؟.
أما أم نبيل فتهيم بحكايات وحكايات عن ضرب الأزواج لزوجاتهم فتتذكر خالتها التي كانت تتعرض لعملية الضرب شبه اليومية من زوجها وتتذكر كيف أن المسكينة لم تكن لتجرؤ على البوح لأحد خشية المشاكل وخشية أن يأخذها أخيها الى بيتهم ويجبرها على تركه وكيف كانت تشكو لشقيقتها الوحيدة وهي تبكي حيرتها وذلها:
- أنا يختي خايفة من المشاكل..وبعدين أين سأعيش.. عند زوجة أخينا ألا تعرفين طباعها..هل ستحتمل وجودي معها.
- ولكن البيت بيت أبونا ولنا فيه نصيب...والله صدق المثل القائل:"البيت بيت أبونا وأجوا الغرب يطحونا".
- عيب يا أم حسن منذ متى تتقاسم الأخوات رزق أبوهن مع أخوتهن هو أخونا الوحيد لا يمكن ان نتنازعه في ملك والدنا.
- كان هذا في الماضي والحال الآن تغير لأن النفوس تغيرت ..نحن لا نطالب سوى بحقنا الشرعي المثل يقول" ما تركه أبوك لك ولأخوك"..لا أقول نتنازعه ولكن على زوجة أخينا أن تعلم اننا تركنا لهم البيت من خاطرنا وتركنا الجمل بما حمل..ولكن عند اللزوم عليها أن تعترف بذلك وأن تترك لنا على الأقل غرفة واحدة نتصرف بها. البيت كبير وواسع..هذا ظلم..والدنيا فيها وما فيها..البيت يساوي بلغا كبيرا من المال الآن..
- لا أريد المشاكل والله لا أريد..ثم كيف تعرفين ما يساوي البيت الآن هل تريدين أن يبيعه وأين يسكن مع عياله..
- لماذا تعودت النساء على ترك حقوقهن لماذا لا يطالبن بها..
- الخوف يا أختي الخوف من المستقبل..
- هذا حقنا..نحن لا نطلب سوى حقنا..لماذا تتبغدد بنات الناس زوجات الأبناء بتعب الوالدين بينما تشقى بناتهم ويجبرن على التنازل..
- هي العادات..
- لعن الله هذه العادات التي خلقها الرجال لمصلحتهم..الرجال أنانيون.أنانيون جدا..
- بيدهم القوانين وبيدهم أن يفعلوا ما يشاؤون.. يحللون ويحرمون كما يريدون..
- لأن النساء راضيات لو كان بيننا واحدة ثائرة لما حدث ما حدث ولتغيرت القوانين.
- سيتهمونها بكل التهم الموجودة في قواميسهم.فالته..مش لاقية حدا يربيها..صايعه...داشرة..سيقذفونها حتى بشرفها.. ليس عندنا منن تعلق الجرس.. الواحدة تخاف على سمعتها..
- لو أن كل رجل يعرف حق الله ويعرف أن ملك الوالدين له ولأخواته لما ظلمت النساء..أظننا نربي أولادنا على الأنانية لو كل واحدة منا تعلم ابنها الذكر أن لأخته حق ونصيب مما نترك..لانتهت المسألة.نحن مسؤولات عن مشاكلنا..
- يا ستي الناس تعودوا على ذلك..اذا طالبت المرأة بحقها تنزل من عينين الناس..
ثم بيني وبينك أين ستذهب المرأه بنصيبها سيأخذه زوجها منها وماذا اذا طلقها..ستكون باعت أخوها وضاعت في الشارع..هل سيرضى بها بعد أن تكون أخذت مالها وأعطته لزوجها وقدمت مصلحته على مصلحة أخوها..
- كلامك فيه الكثير من العقل ولكنه استسلام لغير قضاء الله..وهل ستستمرين بتحمل زوجك هكذا؟ لو كنت مكانك لفزّعت الجيران عليه.
- أعوذ بالله أفضح حالي وبيتي..كيف سيواجه أولادي زملاءهم في المدرسة كيف سيرفعون رؤوسهم أمام أصدقائهم..نحن في بيتنا لا يعرف سرنا أحد واذا كنت اطلعت على بعضها فلأنك أختي وليس لي سواك..
- قلبي يتفطر لأجلك يا أختي..
- لابد أن ينظر الله في أمرنا... ان الله مع الصابرين ثم أولادي هل نسيت أولادي هل أتركهم وأنجو بجلدي.. ماذا لو أحضر لهم زوجة أب ماذا لو أخذ يتفشش بهم في الليل من يحميهم منه..أنا على الأقل كبيرة وأستحمل أما أولادي فلا..وجودي معهم يخفف عنهم الكثير..ثم لا تنسي أنهم متفوقين ولن أسمح لتصرفات والدهم أن تؤثر على دراستهم..سيكافئني الله تعالى على صبري من أجلهم..
- والنعم بالله.. أولادك سيقدرون تصرفك..لا يمكن أن يقبلوا بكل هذه الأهانات لوالدتهم.
- الله بيفرجها..هو عصبي بعض الشيء..تربيته خاطئة..
- ولم تتحملين أخطاء غيرك؟
- من أجل أولادي..من أجلهم أعمل المستحيل..علي أن أستحمل..أنا الكبيرةوليس ذنبهم أن والدهم سيء الطباع..ماذا يكون حال أولاد والدهم سيء ووالدتهم انانية..هل أتركهم يضيعون في الشوارع..لا..لا يمكن..
- يحيينا ويورينا ماذا سيفعل لك هؤلاء الأولاد.
- المهم أن لا أكون قد قصرت في حقهم وقمت بواجبي تجاههم على أحسن حال..لا بد سيتذكرون..لا يمكن ان ينسوا..تخيلي الطفل الذي يحضر من مدرسته ولا يجد لقمة طرية يأكلها ولا يجد أمه في استقباله ولا يجد من يغطيه اذا نام أو من لا يجد من تغسل له ملابسه..أو تعتني بكتبه أو باستقبال زملائه..أو تنبهه للذهاب الى المدرسة..أو تعتني به اذا مرض كيف يعيش هذا الطفل..والله لن أسمح لأولادي بتجربة هذه المأساة..
- ويكون عمرك قد مضى..
- الله هو مقدر الأعمار يختي..وعمري هم أولادي..المرأة التي لا تستطيع التضحية من أجل أولادها لماذا تخلفهم لماذا تتزوج من الأصل..ثم لا تنسي أنني لا أملك شهادة ولا صنعة..من أين أوفر لهم هذه الحياة..صحيح أن والدهم فظ الطباع ولكن على الأقل فهو يوفر لنا مستوى طيب من العيش ..ألا يستحق ذلك تضحياتي..
- أهذا يكفي في نظرك..
- لا تنسي يختي أن زوجي رجل دوغري وليس لديه أي ممشى بطال أظن هذه ميزة..
- أه ما شاء الله لا ينقص الا أن يكون عنده ممشى بطال خليها تكمل..
- الغريب أن الناس تشكر من أخلاقه وهو في نظرهم أحسن تاجر في السوق...
- لسانه حلو كثير..
- لماذا يكون لسانه حلو مع الغرباء ولا يكون مع زوجته وأم اولاده..
- هؤلاء عملاؤه يريد أن يرضيهم.
- يا سلام..ما هذا الذي أسمع يرضي الناس ويبهدل زوجته..
- الرجال عادتهم يتفششوا بزوجاتهم الواحد يرجع بيته يختزن في قلبه كل ما لا يستطيع أن ينفسه في نهاره بالآخرين..
- ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول " خيركم خيركم لأهله وانا خيركم لأهلي".
- الله يهديه..
- الله يهده.. مش يهديه..
- لا يختي بلاش تدعي عليه..اذا جرى له شيء سيضيع أولادي لا سمح الله..
قصة خالتها هذه وحواراتها مع أختها (والدة أم نبيل) قفزت الى ذهنها فجأة بعد طول نسيان..تنهدت بأسى على ما عانته خالتها وعلى ضياع شبابها تحاول ارضاء زوجها لتتجنب ذل الضرب ومهانة البهدله..تذكرت كم كانت تلك الخالة طيبة وكم كانت صابرة وكم كانت مؤدبة لا تسمح لأحد بسماع صوتها..تنهدت بأسى " يبدو أن الحال لم يتغير"..هذا صحيح، ولكنها تذكرت أيضا أن زوج خالتها لم يكن يضربها طوال الليل فقد كان " مقننا مقتصدا حد التقشف بممارسة هذه الهواية الظالمة".. فيكتفي برفصة رجل بقفاها أو كف على الوجه أو شلوت في المعدة أو حتى بوكس في الكتف يوميا.."كان الرجل منصفا ومقصرا بعض الشيء بحق نفسه مقارنة بما يفعله أبو جميل أو ابن أبو جميل ..لم يتأكد الأمر بعد...أمام هذه المحنة الليلية".هذا ما خطر على بال أم نبيل...أول صرخة سمعتها اعتقدت أن المرأة تعاني آلام الولادة مثلا..فلم تنس بعد تلك الآلام التي لا يتصورها مخلوق من اجل منح الحياة لمولود جديد..آه هي الأم.. والله ما أخطأ الهنود عندما قدسوها..وما قال الرسول الكريم الاّ الصدق " الجنة تحت أقدام الأمهات"..وأمك ثم أمك ثُم أمك..
ولكنها عادت وتذكرت حكايات أخرى عن ضرب الزوجات ففي يوم زارتها احدى الصديقات وكان في التلفزيون حلقة عن تعرض النساء للعنف الأسري فأخذت تحكي حكايات بعض نساء عائلتها قائلة:
- في بلدنا كانت العادة أن تضرب المرأة علقة ليلة زفافها.
أم نبيل بدهشة:
- تمزحين!!
- لا والله..
- العروس تضرب ليلة زفافها!!
- نعم..وتضرب بعنف أيضا..
- أعوذ بالله..لماذا؟ كيف؟
- هذه عاداتنا...
- اعتقدت أن مسألة ذبح القطة ليلة الزفاف مزحة..
- ربما ذبح القطة مزحة أما ضرب زوجات بنات بلدنا فليس فيه مزاح..
- ما شاء الله ما هذه العادات ومن أي دين أو عرف جاءت.
- من العادات والتقاليد البالية.
- وهل ترضى نساءكم بهدية من هذا النوع ليلة الزفاف؟.
- وماذا ستفعل اذا كان عرف ويسري على الجميع..
- أما زال هذا العرف الشائن متوارثا..
- لا الحال تغير ولكن ليس منذ امد بعيد.
- زوجة عمي أخذت علقة ليلة زفافها...
- لا أظنها تزوجت منذ مدة طويلة..
- منذ خمسة وعشرين عاما..
- أي في عصرنا الحالي.
- نعم.. تخيلي أن أخوال والدتي لم يستطيعوا التعرف الى جدتي عندما زاروها في الصباحية.
- لماذا؟
- كانت متورمة الوجه وملامحها مختفية تماما مما أصابها من جدي تلك الليلة.
- ولو.. هل كان جدك وحشا كاسرا من ضواري البراري أم نسرا انقض على فريسته.
- بل كان رجلا متعلما عاش في أمريكا أكثر من عشرين عاما وكان من أوائل من هاجروا اليها في القرن الماضي..
- وعاد ليضرب زوجته!!
- نعم..
- وهذا ما تعلمه من غربته..
- لا..لا جدي كان رجلا جميلا وغنيا موسرا يعني..
- ولهذا كان يحمل جدتك جميلة بزواجه منها..
- كلا..كلا..كانت هذه هي العادات ولم يرغب أن يعتقده الناس تخلى عن عاداته بعد سفره..
- ما شاء الله..ما شاء الله.. والله غاب وجاب..
- تخيلي..أن أحد رجالات القرية تزوج من امرأة طويلة وسمينة وكان الرجل قصيرا نحيلا..ليلة الزفاف احتار كيف يضرب زوجته وكيف سيتمكن من ذلك .. فكرطويلا ولكنه خشي على نفسه فقد يناله بعض الضرب ويصبح مهزلة البلد..
- وماذا فعل لقاء هذا الموقف المحرج..لا حول ولا قوة الا بالله!!
- كانت الغرفة التي يسكنان بها مرتفعة عدة درجات عن الأرض فطلب منها أن تنزل الى الطابق السفلي لأحضار كوبا من الماء .
- وماذا بعد؟
- وفي أول خطواتها خارج الغرفة قام بعرقلتها..فوقعت المسكينة من طولها وانكسرت يدها وساقها.
- يا الهي..أي ظلم هذا عروس في ملابس زفافها تتشقلب وتتكسر..أي ظلم هذا..
- المشكلة أن الأهل كانوا يعتبرون ذلك شأنا زوجيا ليس لهم دخل فيه..
- الظاهر أن المثل القائل "الناس تضربني وأنا أضرب مراتي" لم يأت من فراغ.
- هو كذلك.. يا عزيزتي لم يأت من فراغ.
تذكرت أم نبيل تلك الحكايات بينما تتأمل صراخ الجارة المجهولة..ولكن تلك القصص لم توصلها الى نتيجة فالصراخ يسمع أحيانا في ساعات النهار أو بعد الظهر أو في المساء هذه حالة خاصة فقريبات الصديقة الغالية كن يأكلنها ليلة الزفاف ثم لا تلبث الواحدة منهن أن "تتربى وتدوس العجين دون أن تلخبطه"..وتعيش في ذل أبدي من اول يوم لا تكش ولا تنش بلا حقوق ولا مطالب تتحول الى عبد مطيع اذا رفع رأسه يا ويله من سيده المطاع " تبدأ حياتها ولاّدة وتنهيها شحادة" تحمل وتلد وتتعب وتشقى وتربي دونما تذمر أو شكوى وعندما يكبر الجميع قد يتفضلون عليها أو لا يتفضلون بما قدره الله لهم من سعة رزقه..تنظر بعينها وتتحسر بقلبها تعيش حسرتها تابعة مبتسمة تشكو ذلها الى الله تعالى لقد نسيها الجميع وانشغلوا بأمورهم الخاصة وعائلاتهم الجديدة قد تحصل على ثوب جديد كل عامين أو ثلاثة وقد ينساها الجميع في خضم ارضاء الأخرين فلا تحصل على شيء..أي قسمة هذه..نسي الناس دينهم واتبعوا اهواءهم ..نسوا قوله تعالى" امساك بمعروف أو تسريح باحسان"..ونسوا قوله تعالى " وجعلنا لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعلنا بينكم مودة ورحمة"..نسوا كل ذلك واتبعوا شياطينهم.. ولكن مسألة أم جميل مختلفة فالظاهر أن الضرب لم يجد معها نفعا..
اذن الحكاية فيها ما فيها..حاولت أن تتفق مع بعض الجارات لمصاحبتها في زيارتها لأم جميل فلم تفلح وفي النهاية توكلت على الله وتوجهت الى جارتها وحدها فعادة الضرب ليست مستحدثة فلم الخوف...
قرعت الباب ففتحت لها سيدة في منتصف العمر ترتدي الملابس البيتية المعروفة دشداشة طويلة وغطاء رأس أبيض جميلة بشكل ملحوظ ومؤدبة للغاية..أهّلت وسهلت بحرارة ثم دعتها الى الدخول..
حاولت أم نبيل استشفاف الحقيقة فالمرأة التي فتحت الباب وسمّت نفسها بأم جميل لم يظهر عليها ما يوحي أنها تعرضت للضرب المبرح ليلة البارحة ولا في أي ليلة" ..لا بد أن المضروبة واحدة ثانية غيرها لنهدأ قليلا ونرى"...جلست على الأريكة التي أشارت اليها أم جميل تتنتظر وتترقب ..لشدة سعادة أم جميل بزيارة جارتها جلست على الأرض بجوارها تماما ووضعت يدها على ركبتها معربة عن فرحتها لحضورها والتعرف اليها خجلت الضيفة من هذا التواضع وحاولت أن ترفعها لتجلس الى جوارها تأدبا فأخبرتها أنها تفضل الجلوس على الأرض وعندما اقترحت أن تجلس الى جوارها أرضا رفضت ذلك باصرار.
بعد لحظات حضرت سيدة مسنة ترتدي ما يشبه ملابس أم جميل ،سلمت على الضيفة هي الأخرى مرحبة بمثل ما فعلت سابقتها.. عرفتها على نفسها " أخت أم جميل" لم تكن هي الأخرى أسوأ حالا من أختها ثم أنها ضعيفة جدا ويبدو عليها المرض..ولا يمكن لعاقل أن يضرب أمرأة في مثل عمرها وصحتها..لم يظهر في اللحظات الأولى من الزيارة ما يمكن أن يدل على نجاح مهمتها الأستكشافية.بدأت حديثها كعادة النساء في مثل هذه المناسبة بالسؤال عن الصحة والسكن الجديد والطقس والحارة ككل.. ولكن السؤال الملح في نفسها كان " أين المضروبة اذن" وكيف لها ان تتعرف عليها بعد أن استبعدت السيدتين..
تحدثت أم جميل بامتنان شديد لأم نبيل:
- أهلا وسهلا وأشكرك جزيل الشكر على زيارتك..أنت أول من تتفضل بزيارتنا من
الجيران.جازاك الله خيرا..
- الواقع أن الجارات يرغبن الزيارة في وقت لاحق ان شاء الله..
- أهلا وسهلا أنا أحب الجيران وطول عمري على وفاق تام مع جيراني..ما زال الجيران في المنزل القديم يترددون لزيارتي يحبونني كواحدة منهم..
أخبار سارة اذن المرأة محبوبة والجيران على وفاق مع العائلة اذن أين يكمن السر..تحدثت أم نبيل بينها وبين نفسها بتعجب..لأكثر من نصف ساعة لم تحدث مفاجآت الى أن بدأت تتكلم بصراحة أكثر وحيث أنها لم تكن واثقة من مسألة الضرب فقد فضلت البحث عن رؤيا أخرى تحدثت بتردد واضح وأدب جم:
- أعتقد أن لديكم سيدة مريضة شافاها الله..
- أنا يختي..أنا المريضة..
ردت أم جميل.
- سلامتك ألف سلامه ان شاء الله..مم تشكين..
- راكبني عفريت والله يختي..
اعتقدت أم نبيل أن جارتها قصدت شيئا آخر غير ما تحمله الكلمات اعتقدت أن المقصود بالجني أبو جميل مثلا فضحكت قائلة " كل الرجال عفاريت.. الله يصبرنا"..ولكن الأخت أوضحت لها أن ليس أبو جميل هو المقصود بل المسألة تتعلق بعفريت حقيقي يركب أختها منذ زمن ولا يتركها، فحاولت أن تستفسر أكثر .
- ماذا تقصدين..
- راكبني عفريت منذ سنوات طويلة..ما يخليني أنام الليل..كلما تغطس عيني أو تسهو قليلا يوقظني..
في تلك الأثناء كانت يد أم جميل ما زالت على ركبة أم نبيل..فشعرت الأخيرة بقشعريرة غامضة ولكن مسألة العفريت ما زالت قيد التفكروعدم التصديق..وهنا دخلت الأخت الكبرى على الخط ثانية فتحدثت قائلة:
- راكبها عفريت أسمه جبار..
- أنا آسفة لا أفهم ما المقصود بالعفريت..
- جنيّ.. ألم تسمعي بالجن..!!
يبدو أن الزائرة وقعت في شر أعمالها وأنها أدخلت نفسها في موضوع من أغرب ما سمعت، ولكن كلمة العفريت والجني أكدت لها أن السيدتين تتكلمان بثقة وأن المسألة حقيقية وأن عليها أن تنصت جيدا لما تسمع..وعندما تأكد لها أن الأستاذ جبار بعفرتته موجود في عقل المرأتين شعرت بشعر رأسها يقفز من منديلها منتصبا وتأكد لها أن نظرية وقوف شعر الرأس من المفاجآت المخيفة لا لبس فيها في مقامها هذا" أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ما هذه الورطة.. عفاريت يا للدهشة!!!هذا آخر ما توقعته"..وأما مشكلتها الثانية التي عانت منها فما زالت يد أم جميل على ركبتها فكيف ترفعها وكيف توقف حالة الأندهاش مما سمعت وكيف لها أن لا تحرج جارتها من تغير ملامحها ..أخذت تحاول ترديد آيات من القرآن الكريم وللحظة خيّل اليها أنها فرّت منها ونسيت كل ما تحفظه فهدأت نفسها قليلا واسترجعت ذاكرتها وأخذت تذاكر الآيات في سرها وهي تنتظر ما سيتبع..
- أنا لا أؤمن بهذه المسائل..
- كيف لا تؤمنين ألست مسلمة.ألا تقرأين القرآن الكريم..ألم تسمعي بصورة الجن..
ردت أم عطية شقيقة أم جميل.
- آسفة جدا لم أقصد ولكنني أعتقد أن المسألة ليست بهذه البساطة..أن يدخل جني في رأس أو جسد انسان..
- الشيوخ كلهم قالوا ذلك..هل نعرف أكثر منهم..
ما زالت أم نبيل تعاني من هول الصدمة وما زالت يد أم جميل على ركبتها بينما تتصدى أم عطية لتفنيد أقوالها وتأكيد مسألة الجني "جبار" الذي يركب أختها..
وهنا نظرت أم جميل الى جارتها نظرة حزينة كسيرة ثم أخبرتها بما لا يسر:
- ما تخافي يا جارتنا اذا حضرالعفريت وأنت هنا..ليس له وقت محدد.
- وهل سيحضر الأخ العفريت "جبار" الآن..
- ربما ..
أرادت الفرار والخروج من البيت ولكن عدم قناعتها بما سمعت منعتها..
- ألا يخجل على نفسه..كيف يأتي الى مجلس ليس فيه سوى نساء..
- هو كذلك لا يعرف نساء ولا رجال..
- وكيف سأتعرف على قدومه..
- يبدأ بتحريك فكي يمينا ويسارا ويخرج أصواتا غريبة..
طبعا أم نبيل لم تتوقع أن هذا سيحدث ولكنها أيضا في لحظة مثيرة فهي في حضرة الجن تريد أن تعرف المزيد كما أنها لا تريد أن تهرب دون تحقيق شيء من الزيارة لقد حضرت من أجل هدف محدد..
بدأت أم عطية تتحدث عن الموضوع بسرد القصة من أولها:
- يبدأ بضربها بشدة على وجهها.لقد أسقط معظم أسنانها من قوة صفعاته..
تفتح ام جميل فمها لتأكيد كلام أختها لتراه ام نبيل وقد خلى من معظم الأسنان الخلفية وتبقى مسترسلة بحزن الملامح اذ هناك من يشرح حالتها بأمانة..
- ركبها الجني بعد أن تزوجت بفترة..وهو يرفض الخروج منها مطلقا..
- لماذا؟
- يحبها جدا ويقول أنها جميلة للغاية ولم يجد من هي اجمل منها بين نساء الأنس أو الجن..
- يا سلام..
- هذا ما يقوله..
- وماذا يريد منها؟
- أن يتزوجها.
- كيف وهي متزوجة.
- أن يقبض روحها..يريد أن يأخذها عنده..
- أعوذ بالله يا شيخة لا يقبض الروح الا خالقها..
- أحضرنا لها الشيوخ من المغرب والحجاز ومن الكويت ومن مصر وكلهم قالوا هذا..
- وهل أرسلتوها الى طبيب نفسي.
- الأطباء لا يفهمون بهذا الأمر..
في تلك الأثناء كانت أم جميل تعاني من عدة أمراض تبين فيما بعد أن أحدها ماء في الرئة وقد ضاق تنفسها وهزلت ..فعللت الأخت أن سبب ذلك هو أن الجني قد وصل الى حلقها وأنه يضايق تنفسها ليخنقها ويأخذها عنده وهذا ما أيده آخر شيخ زار العائلة.." لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم"..تكلمت أم جميل قائلة أن المشكلة الكبرى أن الجني كافر غير مسلم وهو يرفض وقوفها الى الصلاة كما يرفض دخولها الحمام للوضوء..
- ولو الى هذه الدرجة..
- وأكثر..
- هل لو كان مسلما لاختلف الوضع مثلا..
- على الأقل كان سيقدر حاجتي للصلاة ولا يمنعني من قراءة القرآن والقيام بواجباتي الدينية..ألم أقل لك أنه كافر عنيد لا يريد أن يسلم بل يريد أن يأخذني الى عالم الكفر لأكون مثله..قال لنا الشيخ أنه من كبرى عائلات الجن الذين لا يتنازلون عما في رأيهم أبدا ويسكنون في منطقة شمال العربية السعودية وفي نجران هناك مقر سكناهم..
- يا سلام..وهل ستذهبين الى هناك للتعرف على أهل جبار مثلا..
- يقترح الشيخ ذلك ولكنني لا أريد.
- ليتك ترين حالي عندما يحضر وأنا أستعد للصلاة..
- ماذا يفعل مثلا..
- عندما ادخل للوضوء يبدأ بسكب المياه على ملابسي وينجسها وعندما أبدأ الصلاة يبدأ بشد ثوبي ويحاول ايقاعي أرضا..
- وماذا تفعلين ازاء سلوكه العدواني هذا.؟
- لا أهتم بل أزيد من قراءة القرآن والصلاة أكثر وأكثر..
- والله عظيم تعاندينه يعني.
- أختي متدينة جدا..وليس هناك قوة تمنعها من أداء فورضها اليومية..
قالت أم عطية..
فردت أم نبيل:
- الحمد لله هذا يعني أنها قوية وتستطيع التغلب عليه..
- بعد ما يعذبها ويغلبها.. والله لو تشوفيها وتشوفي حالتها كيف تكون..
- الله يساعدها.
فجأة ودون دعوة رسمية بدأت رياح الجني تهب فأخذت ام جميل تحرك فكها بشدة وتنتفض وتتجشأ وتنظر الى أم نبيل نظرة غريبة وتخرج أصواتا اشبه بصهيل الخيل ..بل أن فمها أخذ يتحرك وشفتاها ترتفعان وتنخفضان بسرعة على نفس طريقة الفرس الشاردة بعد ذلك تغير الصوت لما يشبه صوت الهر الهائج ثم الى صوت جهوري مختلف عن صوت أم جميل يخرج من البطن معلنا أنه جبار وأنه يسمع ويرى كل شيء وأنه يريد من أبي جميل أن يطلق أم جميل فورا وأن يتركها وشأنها..جفلت أم نبيل وقفز قلبها الى حلقومها وانتابتها حالة من الخوف والهلع فقد خشيت أن تصاب المرأة بمكروه بحضورها وربما تتهم بأنها فعلت ما أثار " جبار" أو أغضبه دون ان تدري الا أنها تماسكت و احتفظت بهدوء ظاهري وبدأت تزيد من جرعات قراءة القرآن الكريم وتملس على رأس أم جميل وتهدىء من روعها..أرادت أن ترفع يد أم جميل عن ركبتها فأمسكت بها وأخذت تمسح عليها ثم وضعتها في حجرها..طلبت من الخادمة ان تحضر كوبا من الماء وبشكير نظيف..وأخذت تمسح على وجهها ويديها الى أن هدأت وتوقفت أصواتها وحركات فمها..كانت الأخت تنظر مستسلمة لمصاب شقيقتها ثم ما لبثت أن نهضت وأمسكت بطرف شالها وأخذت تنهر الجني وتكشه كمن يكش ذبابة من ذباب الربيع الثقيل وتردد:"ابعد أتركها في حالها لعنة الله عليك...ابعد..استحي على وجهك".بينما أم هاني التي أخذتها المفاجأة تحاول الخروج سريعا دون أن تزعج جارتها..سمع العفريت جبار كلام الأخت " عفريت محترم وابن ناس"..سبق للأخت ان أوضحت أنه ينتمي الى أحسن عائلات الجن أي من عائلات الملوك..ولكن للأسف عائلة كافرة".. وخجل على نفسه وترك المجلس وتكور في معدة أم جميل لا يتحرك فهدأت المسكينة قليلا وأشارت الى بطنها فقالت الأخت أن جبار جلس الآن في تلك البقعة من جسد أختها ولن يتحرك الا بعد مدة..همت ام نبيل بالأنصراف رفضت أم جميل ذلك قبل تقديم الواجب فأمرت خادمتها ان تحضر فنجانا من القهوة وبعض الحلوى.
عندما أحضرت الشغالة ما طلبته منها سيدتها اضافة الى كوب الماء ترددت أم نبيل قليلا فقد توجست أن تصاب هي الأخرى بآثار أو طراطيش ولكن ايمانها القوي جعلها تتغلب على الموقف وتشرب القهوة والماء خصوصا بعد أن جف ريقها من الجزع..لم تتعجل الخروج بل احتفظت بهدوئ زائف الى أن انتهى وقت الزيارة واستأذنت..
حاولت أم جميل أن تشرح لجارتها الموقف وتتأسف وتعتذرعما حدث وأن الأمر ليس بيدها بل غصب عنها..
- ولا يهمك يا جارتنا كل الناس لديهم أمراضا وأنت لست وحدك..
- أمراضهم مختلفة عن مرضي يختي..أنا أتعذب معدتي مثل النار عندما يجلس فيها تبدأ تغلي كالمرجل.. كل شيء في جسمي مثل النار..أرجوك لا تؤاخذيني..هذا الكافر لا يعرف الذوق ولا يعرف أن من غير المناسب حضوره في كل الأوقات..
- توكلي على الله..لولا خوفي حضور الأولاد من المدرسة لما تركتك لقد استمتعت بزيارتك وأشكرك على قيامك بواجب الضيافة على أحسن وجه..تشرفنا يجيرتك.
سلمت على مضيفتيها وودعتهما ووعدت بتكرار الزيارة بدأت خطواتها خارج شقة جارتها رزينة هادئة وما لن سمعتها تقفل الباب حتى هرولت بسرعة الى شقتها فتحت بابها بسرعة ودخلت ثم أغلقته بالمفتاح ووقف هنيهة تلهث..كانت مشوشة الى أبعد الحدود فما رات وسمعت شيء يدعو الى الأغماء..جلست على أول كرسي صادفها وبدأت مسألة العفريت جبار تتفاعل في ذهنها هي الأخرى وشعرت أن الهدوء والثقة التي حاولت التمسك بها أثناء زيارتها لأم جميل قد غادرتها فلم تستطع دخول الغرف الداخلية من منزلها بل خرجت من الباب الخلفي تحتمي بأشجار حديقتها ربما خشيت أن يكون جبار قد تبعها وتسلل وراءها الى مسكنها..
كانت مشوشة للغاية مذعورة..مستغربة..مندهشة..ترتجف على غير استقرار مشلولة التوقعات تماما مشاعر وأحاسيس متلاطمة..أخذت تتأمل قصة جارتها وبقيت خائفة بالفعل مما سمعت حاولت دخول شقتها ثانية ولكن الخوف ما زال يمنعها.. بعد ما يقرب من النصف ساعة تجرأت ودخلت المطبخ وبعد ذلك الصالون حيث هذه الأماكن تطل على الحديقة ويدخلها النور بشكل كبير..لم تجرؤ على أكثر من ذلك الا بعد أن حضر باص المدرسة وأنزل الأولاد فدخلوا البيت ودخلت وراءهم..
اشغلتها القصة وسيطرت على تفكيرها تماما وعندما حضر أبو نبيل أخبرته بمأساة جارتهم ومن الغريب أنه هو أيضا مال الى تصديق الرواية ما شككها في قواها العقلية وفهمها للأمور ولم يتوقف عند هذا الحد بل طلب منها أن تأخذ الأمر بجدية وأن لا تكرر الزيارة فقد يحدث ما لا تحمد عقباه.
- يا الهي ما هذا الذي تقول يا أبا نبيل.
- ماذا نفعل ..المرأة راكبها عفري من الجن..
- هل تصدق هذا الكلام.
- ولماذا أكذبه..
- لأنه كلام غير معقول..
- ولكنك رأيت بنفسك..
- المراة مريضة أو لديها شيء في دماغها لا أعرف ..أما مسألة الجني فهي آخر ما أتوقع..
- يا ستي الله يشفيها ويشفي كل مريض..توخي الحذر أحسن..
احتفظت بسر جارتها فلم تخبر به أيا من الجارات الأخريات وانشغلت تماما بالأمر وأخذت تتصل ببعض صديقاتها المتعلمات تطلب المشورة وكيفية مساعدة المرأة المسكينة في محنتها ولكنها لم تستطع ابعاد شبح الجني عن مخيلتها فقامت بتبديل لمبات الغرف بأكبر منها واختارت لمبات بقوة 250 فولت وأخذت تترك الكثير منها مضاءة ليلا على غير عادتها كما امتنعت من دخول حمام غرفتها كونه معتم بعض الشيء وموقعه داخلي ويطل على منور العمارة الداخلي مع ابقاء نافذته مغلقة تماما فقد يخطر على بال " جبار" أن يقفز منها الى الحمام ليطل برأسه ويختلس النظر اليها في حمامها شيء مخجل وغير معقول ..جني غير محترم ينتهك حرمات البيوت....أفكار كثيرة داهمتها خصوصا وهي تجد جميع من حولها مقتنعا بالأمر..
بدأت صديقاتها بالأتصال لعرض المساعدة..هناك شيخ في المكان الفلاني..وهناك مخرج للشياطين في المكان العلاني.وهناك امرأة شفيت بعد أن ضربها الشيخ على رأسها بقضيب حديد.."يا الهي ما هذا الكلام وأين وصلنا .هل نحن في القرن الحادي والعشرين ام في قرون التخلف والجاهلية..ألم يحطم هذا الملعون رأس المرأة بقضيبه"..لعنة الله على الجهل..
لا يمكن .لا يمكن لا بد من حل منطقي ومعقول لا يمكن أن أترك هذه الجارة في محنتها وأدير ظهري بكل بساطة ألم يقل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننته سيورثه"..لا بد من سبيل آخر..كان الجيران قد بدأوا بالتفكير الجدي لعمل ما فمن غير المعقول استمرار الوضع.
كان لا بد من تكرار الزيارة قبل أن تذهب المرأة ضحية التخلف..اتصلت بالهاتف وأخبرت أم جميل أنها ترغب تكرار الزيارة ان لم يكن لديها مانعا كان موقفها مرحبا جدا بأكثر مما كان في السابق..
- أهلا وسهلا..والله أنك بنت حلال وطيبة يا ريت كل الجيران مثلك..
- هذه المرة لن أسمح لك يا ام جميل أن تجلسي على الأرض..ستجلسين الى جواري والا لن أدخل البيت..
- ولا يهمك يا أصيلة يا بنت الناس..
- أنت أحسن..
- والله مائة أهلا وسهلا..
- كيف حالك اليوم ان شاء الله أحسن.
- والله انا محتارة بنفسي لقد حضر الينا الجار أبو العز ثائرا ليلة البارحة لم يستطع النوم..
- تدرين أنه يجب أن ينام.. دوامه يبدأ في ساعات مبكرة من الصباح..
- وماذا أفعل..الأمر ليس بيدي..
- لماذا لا تنقلين سريرك الى الجهة الأخرى من الشقة بعيدا عن غرف نوم الجيران..
تحدثت أم عطية التي لا تفارق أختها قائلة:
- جبار يرفض ذلك..
- كيف..لماذا.
- غرفة نوم أم جميل أحسن غرفة في البيت وهو يفضلها على غيرها.
- ولكن تعرفين أن جدران الشقق متلاصقة وأي حركة تصدر من هنا أو هناك تزعج الآخرين خصوصا في هدوء الليل.
- شو نعمل شو نسوي..
- يجب أن نتصرف.. أخشى أن لا يحتمل الجيران أكثر وقد يقومون بتصرف لا يليق بالجيرة..
- ليفعلوا ما يشاؤون..
- لماذا لا ننقل سرير أم جميل الآن.ها هي تجلس معنا ولم يمانع "جبار" بذلك لماذا لا نستغل الوقت وننقل سيرها بسرعة الى مكان آخر..قبل أن يحضر..
- لا..لا يمكن سيعيده مرة أخرى لن يسمح بذلك أبدا.
يا الهي يبدو أن هذه الأخت لا تريد لأختها سوى الشقاء والفضايح ومشاكل مع الجيران واقناعها يوما بعد يوم بمسألة العفريت جبار فما الحل اذن..أرادت أن تعرف أكثر عن وضع جارتها الأسري فلم يكن أحد يعلم شيئا عن ذلك حتى الساعة:
- هل لديك أولاد يا أم جميل ..
- ما شاء الله كثيرون..
- وماذا يعملون .
- ثلاث مهندسين ومحاسبان ومدير ادارة.. جميعهم جامعيين ويعملون في الخارج..بناتي هنا فقط..ثلاثة..واحدة متزوجة والأثنتين الأخريين عزابيات..
- ماشاء الله ..وكيف لم يفعلوا شيء لقاء حالتك..
- يعملون الكثير الكثير جدا الله يرضى عليهم..يرسلون لي المال باستمرار ويتصلوا بي دائما ويدعونني لزيارتهم باستمرار ويحضرون لزيارتي كلما سمحت لهم ظروفهم هم وعيالهم وزوجاتهم رائعات وأهلهن أحسن ناس..الله يرضى عليهم رضيين ومتدينين وناجحين في أعمالهم..هاملين همي كثيرا..ما أن يسمع الواحد منهم عن أي شيخ أو طبيب حتى يعمل جهده ويرسلني اليه..أولادي لا مثيل لهم..الحمد لله..
- الحمد لله...اذن الأحوال عال العال يا أم جميل كثير من الناس يتمنون أولادا كأولادك ماذا يزعجك اذن..
- جبار يختي مش حالل عني..لا يريد أن يتركني وشأني..
- أتركيه أنت وعيشي حياتك بسعادة وتمتعي بما وهبك الله من أبناء رائعين حالتك أكيد تزعجهم في غربتهم..
- والله يختي كلامك صحيح والله دائما مشغولين بأمري..بس المسألة مش بأيدي..
- صدقيني يا أم جميل أنها بيدك أنت فقط توكلي على الله واخرجي من هذه المفاهيم والقصص المتخلفة..
- اللي أيده في النار مش مثل اللي أيده في الماء..
- لا يا أم جميل أنت جارتي وأنا على استعداد أن أفعل كل ما بوسعي لمساعدتك ان شاء الله ..
- كثر خيرك ما بتقصري والله..
- يجب أن نبحث عن حل يا أم جميل هذا الصراخ وهذه الحال ستؤثرعلى بناتك فمن سيجرؤ على الزواج من بنت والدتها تصرخ طوال الليل وتدعي أنه راكبها عفريت..الناس يصدقون هذه الخزعبلات ويخشون الوراثة..
- والله يا أختي أثرّ وقد حضر بعض الخطاب وركبني جبار في حضورهم فهربوا..
- لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..اذن لا بد أن نتصرف..يجب أن ننسى جبار وغيره ونلتفت لمستقبل البنات...ولحياتنا..
استأنست المرأة لجارتنا وأحبتها ووثقت بها فأخذت تقص عليها حكايتها مع الأطباء وترددها عليهم في ألمانيا وروسيا ومصر وأمريكا وكيف كان كل طبيب يشخص حالتها بما يراه مناسبا وفي معظم الأحيان تنهتي المعالجة باختصار واستئصال جزء من جسدها:
- في روسيا استأصلوا لي بيت الرحم..اعتقدوا أن هذه هي المشكلة ولكن للأسف لم أشفى ..
- يا الهي..
- في ألمانيا استأصلوا لي المرارة..
- أعوذ بالله..
- ذهبت الى أمريكا لمعاجة عيوني فقالوا لي ان الشبكية تالفة تماما..
- لماذا.
- قبل أن أسافرأحضروا لي شيخا وأوقد نارا حاميه في منقل وأمرني أن أنظر الى النار المتأججه عن قرب وأن لا أغلق عيني مطلقا فاحترقت الشبكية وليس لها علاج.
- مسكينة أنت يا جارتي..
هتفت أم نبيل بحزن شديد..ثم قالت " وماذا بعد".
- في مصر ذهبت هناك وعملوا لي زارا وأخذوا يتدافعون حولي فوقعت أرضا
وكسرت بعض أضلاعي ودخلت المستشفى وبقيت مريضة عدة أسابيع..
- وماذا بعد؟
- في المغرب..أحضروا لي احسن الشيوخ.أحضروا شيخ يخرج العفاريت من تحت الأرض..ولم يفلح في شيء..حالما رجعت رجع معي جبار..كلفتني الرحلة ما يقرب من عشرة آلاف دينار...كما ذهبت الى الحج وأديت العمرة وقابلت شيوخ كثر في السعودية ولا فائدة.
- أرى بعض الغرباء يدخلون ويخرجون في بنايتنا هل هؤلاء أيضا مشاركين في جهود طرد جبار؟
- نعم لقد حضرعدة شيوخ واحد منهم أراد دخولي الغرفة معه بمفردي..هذا حرام ويعتبر خلوة..ثم كيف أدخل غرفة مع رجل غريب عني وأغلق الباب علي وعليه..أخذت أصرخ وأصيح في وجهه ثم خرج له جبار وطرده من الغرفة ولحق به الى خارج البيت أيضا..
تتحدث أم نبيل باستهزاء:
- وتقولين جبار كافر وما بستحي ها هو يغار عليك وينقذك ويرفض تصرفات هذا الشيخ العجيب..الله وأعلم ماذا كان يرتب لك هو الآخر..لقد قرأت مؤخرا موضوعا عن هؤلاء الشيوخ وما يفعلونه من أعمال مخزية مع النساء لعنة الله عليهم..هؤلاء أبعد ما يكونون عن الدين وكم دفعتم له يا ترى..
- مائتي دينار..
- يا خسارة..
- مش مهم المال ..المهم أن أشفى والله يختي أولادي مستعدين أن يدفعوا كل مالهم فقط كي أشفى يحبونني كثيرا جدا..قلقين جدا علي..الله يرضى عليهم ويوفقهم...
- ولكن هذه ليست الطريقة التي تشكفيك يا أم جميل..وماذا بعد .
- ذهبت الى طبيب أسنان فاعتقد أن مشكلة معدتي وحركة فكي تكمن في أسناني فخلع طواحيني وها أنا كما ترين يا دوبك أمضغ اللقمة..
- يا الهي .. يا الهي..ما هذا العذاب..
- أخبرونا أن شيخ الشيوخ سيحضر قريبا من ليبيا وها انا انتظر حضوره..
- وكيف يعالج هذا الشيخ.
- بالضرب..
- أعوذ بالله لا يمكن...قد تموتين بين يديه وتحت عصاه أنت في حال سيئة الآن لا تحتملين هذه الخزعبلات..اياك..اياك..
- أهذا ما تعتقدين..
- نعم اياك أن تسمحي لهم بضربك يكفيك ما عانيت..أخرجي من البيت وتفضلي زوريني وزوري الجيران الجميع يسأل عنك...الله يشفيك..
أم عطية توصد الأبواب أمام أختها:
- ليس من مرضها شفاء أبدا..
تغضب أم نبيل وتنفعل ثم تقول:
- وحّدي الله يا حاجة لا تقولي هذا الكلام..أختك مريضة ولا بد من طبيب يعالجها ان شاء الله..
تلتفت الى أم جميل وتقول "تفضلي عندنا ولا تخشي شيئا."
ولكن أم عطية تعود ثانية لتضيق على أختها:
- لا تستطيع الخروج ..جبار يمنعها من تخطي عتبة البيت..أنه يحبسها تماما..
أم نبيل بسخرية واضحة:
- لقد أصبحنا وجبار أصدقاء لن يمانع بخروج أم جميل في زيارة الى بيتي طالما أنه
يحبها أكيد يحب مصلحتها ومصلحتها بالخروج من البيت وتغيير حياتها..
انتهت الزيارة الثانية لأم نبيل التي أصبحت منغمسة في قصة ام جميل وزال عنها الخوف من "جبار" كما عادت الى طبيعتها الواثقة بنظريتها الأصلية أن المسألة برمتها كلام فاضي وأن علاجها يسير في الطريق الخطأ وصممت أن تغير ذلك المسار الى المسار الصحيح ولكن دون اثارة المحيطين بها ودون تعريض نفسها وموقفها النبيل من التشكك.. واجهتها مشكلة أخرى من صديقاتها المقربات حيث خشين من ترددها على أم جميل .
ولكن أم حسام احدى أعز صديقاتها أتخذت موقفا متشددا من تهورها وباتت تغضب وتطلب منها التوقف عن التدخل في حياة أم جميل خوفا عليها فهي تعرفها حشرية وقد تعرض نفسها لمخاطر ازعاج جبار خصوصا وهي تحرض أم جميل على التغلب عليه وطرده من مخيلتها:
- ابتعدي عن هذه المرأة...أرجوك.
- لماذا.
- العفاريت يسمعون ما تتحدثن به وقد يغضب عفريت أم جميل من كلامك ويؤذيك..
- أي هراء هذا يا أم حسام..هذا كلام فاضي.
- لا والله أعرف واحدة كانت تفعل ما تفعلين فثار العفريت وترك صاحبته وقفز الى جسد الثانية.
- ها..ها..ها أضحكتيني يا أم حسام.. هل تعتقدين أن العفريت جبار سيخرج من أم جميل ليقفز ويركبني أنا.
- ولماذا تستغربين.. هذا ما سيحدث أنا أحذرك.
- لا تخافي الأستاذ مغرم بأم جميل ولا يرضى عنها بديلا..
- والله سأتصل بأبي نبيل وأشكو له أمرك..
- ولا يهمك حسام افعلي ما ترينه وأنا أشكرك حرصك علي وخوفك علي..لن يحدث الا الخير ان شاء الله.
بعد أن نزلت أم نبيل الى شقتها لاحظت أن أم جميل لم تأت على سيرة أبو جميل..هل يعقل انه ميت مثلا..أو مسافر ..ربما منفصل عنها.."غريب.. فعلا كيف لم التفت الى هذه المسألة" ولكن من هذا الرجل المسن الذي شاهدته يتردد على الشقة أهو أخوها مثلا..لا بد من تفسير..عاتبت أم نبيل نفسها على تأخرها في ملاحظة مسألة مهمة كهذه.
بعد يومين من هذه الزيارة فوجئت بما لم يخطر لها على بال فقد حضرت لزيارتها أم جميل بشحمها ولحمها وربماعفريتها أيضا..
- أم جميل!! أهلا وسهلا تفضلي تفضلي..
- كنت زهقانة وقلت أين سأذهب ولم أجد أقرب منك الى نفسي..
- مائة اهلا وسهلا لا يهمك تفضلي في أي وقت أنا مسرورة جدا لهذه الزيارة الكريمة.
كانت أم نبيل سعيدة للغاية بخروج أم جميل من حالتها النفسية وها هي تستطيع الخروج ولم يمنعها جبار ولا غيره اذن المرأة تتعرض لأوهام غرسها وعززها المحيطين بها..ولكن لا بد من سبب قوي لما وصلت اليه..
كانت أم جميل في منتهى التودد والهدوء كما بدت أصغر سنا وقد وضعت بعض الزينة وارتدت دشداشة ثمينة وأنيقة.
- ما شاء الله يا أم جميل والله أحلى الصبايا ما هي مثلك..
تضحك أم جميل وتقول:
- لو رأيتيني من قبل لما صدقت..
- ها انت ما شاء الله عليك..في أحسن حال والحمد لله لا نريد الكلام لا في جبار ولا في غيره..ماهي أخبار أبو جميل يا ترى..
- لا أعرف والله..
- أين هو..
- مسافر ..
- الى أين؟
- أمريكا..ذهب لزيارة الأولاد..
- جيد جدا كان يجب أن تذهبي معه.
- لم أعرف بسفره الا بعد يومين..
- يا سلام لماذا؟
- لم يخبرني أحد..عندما لم أسمع صوته في البيت سألت البنت فأخبرتني انه سافر قبل
- يومين..
- كيف ؟هل أنتما منفصلان.
- كلا..
- هو لا يكلمني ولا يهتم بي ويتجاهل حتىوجودي..
- منذ متى؟
- منذ سنوات طويلة جدا..
- لماذا؟ وأي حياة يحياها زوجان في مثل هذه الحالة..
احتارت أم نبيل كيف تفسر هذه الحالة ولكنها لم ترغب أن تكثر من الأسئلة فقد يكون فيها ما يحرج أم جميل ولا تريد أن تعكنن عليها خروجها وزيارتها الأولى منذ سكنت البيت..ولكن أم جميل بدأت الكلام من نفسها:
- خطبني أبو جميل ورفضت..كنت فتاة جميلة جدا وكان الخطاب يتوافدون على أهلي
من أحسن أبناء البلد..بعد ذلك خطبني ابن خالي وما زال حتى الآن على قيد
الحياة..ولكن أبو جميل هدده وكان مسالما فتركني ..
ثم انتقلت مباشرة لوصف ما يحدث حال دخول أبو جميل المنزل حيث يبدأ العفريت بازعاجه فيرفع صوت التلفزيون ويفتح صنبور الماء ويلقي بالطعام في المغسلة وأحيانا يسكب عليه كوبا من الشاي الساخن.
استوقفت أم نبيل جارتها وسألتها :
- كيف يفعل العفريت ذلك هل يظهر بنفسه مثلا..
- كلا انه لا يظهر على أحد ولكنه يدفعني أن أفعله..
- أي يا أم جميل أنت من يقوم بتلك الأفعال..
- والله غصب عني يختي.. مش بأيدي..
ثم أكملت تصف :
كما يكره سماع صوته فيبدأ بالقاء الأوامرعليه بالسكوت والبقاء صامتا لا يزعجه
والا أصابه مكروها.
يأخذ أبو جميل الأمر على محمل الجد فيتكلم بالأشارة منفذا الأوامر بدقة..كما يرفض جبار السماح لها بالمبيت معه في نفس الغرفة ولهذا يمارس عليها ضغطا كبيرا في الليل ويرغمها على اقفال باب الغرفة بالمفتاح حتى لا تختلي به وخشية أن يستغفله أبو جميل ويدخل الغرفة من وراء ظهره.. أما كيف أنجبت أبناءها وبناتها فيبدو أن الأمر كان يتم خلسة وخلال اجازات العفريت في زياراته لبعض العفاريت من أهله أو أصدقائه وهكذا بدى الأمر لأم نبيل غير منطقي ولا وعقول..
فأم جميل تعاني من مرض نفسي ولا شك.. تقمص الشخصية أو انفصامها..حدثت نفسها بذلك وأرادت منها أن تستطرد ولكن الزيارة لم تكتمل فقد حضرت أم عطية وطلبت من أختها أن تعود الى البيت ففعلت..
أبدى بعض الجيران الرغبة بالمساعدة بأحضار المشايخ والساحرات في حين بدأ البعض الآخربأخذ مسألة العفريت بجدية فائقة فحدثت اجتماعات بين السكان واتصالات ودعوات لأخراج أبو جميل وعائلته من البناية كما قامت بعض الساكنات بالهروب من شققهن كما فعلت أم عزمي تلك التي تسكن الشقة المقابلة لأم جميل اذ هربت الى منزل والدتها بعد أن أقنعت نفسها بأمر العفريت وباتت تقضي طيلة النهار هناك ثم ما لبثت ان باعت الشقة وغادرت بشكل نهائي. تزايدت زيارات الدجالين وتعدت تصرفاتهم حدود شقة أبو جميل فاستباحوا الموقع من أسفله الى أعلاه..يقومون بحركاتهم المعهودة صعودا ونزولا أو احراق بعض الرموز المكتوبة بأحرف عجيبة أو سكب مواد غريبة المنظر واللون والرائحة على السلم ..أساليب وأحاييل لا حصر لها وطبعا لا شيء ببلاش. وادعى بعضهم أن جباريختفي بين جدران الشقق أو على السطح أو بين تنكات تخزين الماء أو حتى في أسلاك الكهرباء فقام بترقيم درجات السلم بألأرقام المبهمة بدعوى عدم استطاعت جبار تخطيها مما تسبب بخوف حقيقي للسكان وباتوا يخشون تلك الأرقام واحتاروا كيف يصلون شققهم..حتى أن بعضهم أخذ يشمر ملابسه خشية لأن تلامس الحائط صعودا الى شقته وأخذ الأطفال يسيرون بهدوء بموازات الدرابزين وعم الهلع والخوف وسرت اشاعة في الحي أن العمارة مسكونة وأن كل من يسكنها يصاب بالجنون..
وما زاد الطين بلة أن بعض الجارات كأم عادل حاولت استطلاع الأمر بزيارة أم جميل وعندما عادت من زيارتها ادعت أن العفريت لحق بها على الدرج وأخذ يدفعها يريد ايقاعها لأنها شتمته ولولا أنها أمسكت بالدرابزين بقوة بكلتا يديها ونادت ابنة أم جميل تساعدها لباتت في خبر كان..حكاية سمعتها أم نبيل وهي صافنة سارحة في تقهقر ثقافة الناس..
ووسط هذا الجو الغريب من الأنهيار والشعوذة والسحر انطلقت أم نبيل تبحث عن العلاج الحقيقي لجارتها فليس من المعقول أن يقعد العلم عاجزا عن مثل هذه الحالة.. ووجدت أن تتعمق أكثر بعلاقتها مع أم جميل فقد تكتشف شيئا جديدا يدلها على أول الطريق..وهذا ما كان..فكررت الزيارة مرة بعد مرة ووصلت الى بعض ما تريد":
" كنت بنتا صغيرة وجميلة جدا في الخامسة عشرة..." فأخذت أم نبيل تؤكد كلامها و تثني على جمالها الحاضر وطيبتها وحسن جيرتها وكرم أخلاقها .. فأبدت سعادة بما سمعت ثم استطردت " ليس لي عزوة كان والدي وحيدا بلا أشقاء أو شقيقات وكان يملك من الأرض الكثير..ولكنه توفي فجأة وتركنا ثلاثة أبناء أنا وأختي هذه وشقيق وحيد أصغرنا ووالدتنا .. بعد أن كبرت قرأوا الفاتحة علي لأبن خالي الذي كنت أتمنى الزواج منه وفرحت كثيرا لتحقيق أمنيتي وفجأة ظهر أبو جميل وهو قريب لنا من جهة والدي ذو مال وأهل رفض الخطبة وأصر على فسخها بحجة أنه أولى بي من الغريب.. وأجبر والدتي على الموافقة بزواجه مني ..كنا عاجزين تماما لم نستطع الوقوف أمامه فلا حول لنا ولا قوة، خشي أهله ان يذهب ارثي من والدي الى عائلة امي ..بعد فترة قصيرة تم الزواج.. كنت أكرهه كثيرا قبل ذلك وزاد كرهي له بعد فعلته.. وفي ظني أنه تزوجني عندا بي وبأمي وابن خالي ..
لا أستطيع أن أراه بعيني صدقيني ولا أن أسمع صوته.. كرهته وكان كلما جاءني ونظر في عيني ورآى نظرة الكره يزداد جبروتا وقسوة وفي الليل يجبرني على النوم أرضا فوق فرشة رقيقة وحقيرة واذا ما أراد شيئا يدس رأسي تحت الخزانة وكانت ذات أرجل مرتفعة قليلا عن الأرض أو يخفي وجهي بالمخدة حتى لا يرى تلك النظرة.. في كل لحظة كنت أخشى أن تقع الخزانة على رأس فتهشمه..كان قاسيا متحجر القلب لا يشفق علي ولا يهتم لأمري.. وبعد ذلك أجبر والدتي على تقسيم الرزق ( أي الأرض) الذي ورثناه عن أبي بيني واخوتي.. وكان هذا عارا ما بعده عار علىالبنت بالعرف المعمول به في بلدنا أن تقاسم البنات أخوتهن الذكور بالأرث واستولى على أرضي ودخلها من الزيت والزيتون ..لم أستطع الأعتراض كنت أخاف ولكني كنت أكتم في نفسي فلمن أشتكي سوى الله..
تتكلم أم نبيل بأسى :" ربما لأن جبار لم يكن قد ظهر حتى ذلك الوقت أخذ أبو جميل مجده واسترجل عليك"..
كانت ام جميل تحتمل جارتها وتعليقاتها كانت متأكدة أنها تريد مساعدتها رغم أنها لم تستطع اقناعها بموضوع العفريت جبار..
"تركني لدى أمه وأخته العانس التي أكلتها الغيرة مني وسافر الى احدى دول الخليج خمس سنوات متتالية وتجبرت الأثنتان بي تجبرا لا يطاق وسلبني الظلم ارادة التذمر أو الشكوى استسلمت تماما لقدري منعنني من زيارة أمي أو أخوتي فحزنت أمي ثم ماتت بحسرتها ولم أستطع حتى أن أشارك بحضور مراسم بيت الأجر.. وأخذ الناس يشفقون على أخواي .. كنت أسمع أخبارهما وأبكي في صمت وعجز ولم يكن لدي حول ولا قوة.لم أكن وحدي أعاني من ظلم أهل الزوج كان ذلك عادة وموضة..في تلك الفترة زارتنا سيدة بغيضة المظهر فأمرتني حماتي بالسلام عليها والجلوس الى جوارها كنت أرتعد من الخوف ورأيتهما تتبادلان النظرات ثم قامت المرأة بتقديم كأسا يحتوي شرابا رهيب الطعم وأصرت حماتي أن أشربه عن آخره وتكررت مأساتي مع شراب المرأة وعندما كنت أرفض كانت تجتمع النساء الثلاث علي فتمسك حماتي يديّ بقوة بينما تمسك العجوز برأسي بيد وتفتح فمي بالأخرى وتقوم أخته بدلق الشراب في جوفي وتغلق فمي فأبتلعه مضطرة خشية أن أختنق..وبعد ذلك يتركنني أتفعفل كالدجاجة المذبوحة في حالة يرثى لها من القهر والأنسحاق واعتقدت أن حماتي عملت لي عملا لأنسىاخوتي ولتكرّه بي ولدها وأعتقدت أنها نوت قتلي بمشاركة تلك المرأة..ما أن تخرج حتى أدخل غرفتي أرتجف فأغلق الباب وأتكور على نفسي في زاوية الغرفة وتنتابني آلام معوية مبرحة وكوابيس لا طاقة لي على حملها وعندما أفيق من نومي مذعورة تدعي حماتي أنني مجنونة وأن ابنها المسكين ابتلي بي من غير ما سبب وأنني عاقر ولا فائدة ترجى من شجرة بلا ثمرة مع أن زوجي لم يبق معي سوى أياما قليلة بعد الزواج..كانت تجبرني على صلاة الفجر قبل موعدها ولكن بخمسين ركعة متتالية على ان تسمع صوتي وأنا أصلي لم يتصل بي طيلة فترة غيابه ولم يرسل لي فلسا واحدا كنت كالأسير المقطوع من شجرة بل من صخرة..علي كل الواجبات وليس لي أي حقوق..أصبت بالحمى ومرضت مرضا شديدا أقعدني عن مزاولة أي عمل.. ورغم ذلك لم ترحمني..كان علي أن أقوم بجميع أعمال المنزل في الوقت الذي كانت وابنتها تستفيقان من نومهما وقتما تريدان وتذهبا للزيارت وتشتريا ما طاب لهما" كانت أم جميل تتكلم بهدوء وبصوت حزين وعلى ثقة تامة مما تقول..
أكملت:
"بعد خمس سنوات كاملة سافرنا والدته وأنا الى مكان عمله واستمرت الآمر الناهي.. يطلعها على كل أموره وينام في نفس الغرفة التي تنام فيها فيما أنا مهملة لا أعرف عنه شيئا مطلقا لا يسألني حاجة لي ولا يستشيرني ولا يعرفني الا عندما يريد أن يرفث ولم أكن سوى المرأة التي تنجب له ألأولاد وتعيش معه في نفس البيت تربي هؤلاء الأولاد..عندما كبرت وتأملت حياتي وجدت أن ليس أمامي سوى أن أعتني بأولادي الذين سيكونون سندي الحقيقي فوضعت جهودي في تربيتهم وتحملت الكثير الكثير جدا من أجل النجاح في مهمتي كنت سعيدة بأبنائي فوق التصور بعد أن منّ الله تعالى علي بالخلف بعد خمس سنوات عجاف ورضيت بقدري بعد أن ثبت أنني شجرة بثمرة ووارفة أيضا.. أحببتهم وأحبوني واعتنيت بهم وضحيت من أجلهم بكل شيء..وكافأني الله تعالى فتفوقوا وتدينوا وكانوا مثالا يحتذى.. ونسيت أن لي زوجا ..ولكنني كنت كالأرنبة المذهولة أؤمر فأطيع..أجتر آلامي لوحدي لا يسمع سوى الله تعالى شكواي..
خطرعلى بال أمه أن تزيد من آلامي فاقترحت عليه أن تسافر الى بلدها وأن تأخذ معها اثنان من أبنائي يعيشون معها تربيهم على طريقتها كما ربت أبنها..لم أستش كالعادة ولكن ولدي جميل الأكبر أخبرني بما سمعهما يتهامسان به لم يكن يرغب بتركي الله يرضى عليه.. جن جنوني فثرت ثورة مخيفة وحاولت احراق البيت وشعرت بقوة غريبة تندفع من جسدي فيخرج العفريت جبار ويهدد زوجي وأمه بسكين كبيرة ان اقتربوا من أبنائي..أخذ يصرخ بهم ويشتمهم ويتوعدهم.. وبعد هذه الحادثة خافت أمه على نفسها فقفلت راجعة الى بلدها وحدها واستطعت تخليص أبنائي من شرها..وعندما عادت الى بيتي ثانية كانت أكثر حرصا في تعاملها معي..باتت تخشاني..
- تقصدين أن جبار ظهر بعد أن حاولوا حرمانك من ولديك..
- هذا صحيح.
- الله يخلف عليه..تفضلي اكملي:
"لم يتغير الحال كثيرا فرغم مرور الوقت استمرت قطيعته لأهلي وانقطعت أخبار اخوتي عني تماما فعشت في ضياع أتلهف لسماع أي كلمة عنهم .. كانت أمه تزور البلد كل عام ولا تأتيني بمايشفي غليلي فقد اعتقدوا أنهم اشتروني من سوق النخاسة فلا أهل ولا أخوان..وكان محرما علي ذكرهم أمامهم..عندما كانت تسافر يبيت ابنها في غرفتها وحده ولا يكلمني أبدا..كنت أسمع من الضيوف أخبار عمله ومشاريعه سواء بالسفر أو بالأجازة أو غيرها من أمور يتحدث بها الأزواج العاديين..فازدادت كراهيتي له ولأمه..في الواقع أنه كان كسّيب وموفق في عمله تماما..ولا يتأخر عن سداد أي طلب من مطالب الأولاد ولكن دون عاطفة أوحب يقوم بدوره كأب آلي ليس الاّ وكان علي مقابل هذا أن أضفي الحب والحنان على أولادي.."
لحظات.. واذ بالعفريت بدأ يتململ فنظرت لجليستها وقالت " لا يحب سيرته وأكره عليه أن يسمع اسمه"..واستطردت " تصوري أنه يمنعني أن أطبخ له أو أن أستعمل ما يأتي به من ادوات كما يمنعني حتى أن أغسل أو ألمس ملابسه.. فتردد أختها" الغيرة قتلته يمنعها حتى من الخروج معه الى أي مكان.. تصوري أشترى غسالة من أحسن الأنواع..ورفض جبار أن يسمح لها باستعمالها..وها هي محطوطه" أي "مهملة".
ترد أم نبيل بابتسامة واضحة:" يريد أن يريّحها".
مسكينة يا جارتي العزيزة..هذه هي قصتك اذن وهذا هو عفريتك .. انه الكراهية للظلم وللظالمين ..الظلم .. ظلم الأنسان لأخيه الأنسان وظلم المرأة لأختها المرأة وظلم جهل المجتمع للجميع ، وهل بعد الظلم عفريت..
عندما كبر الأبناء وتعلموا وعملوا بوظائف محترمة باتت أم جميل تشعر بالأمان وزال عنها خوفها من زوجها ولم تعد بحاجة اليه خصوصا بعد أن توفيت حماتها..أما أبو جميل فقد خاف على نفسه بعد أن لاحظ تعلق الأبناء بامهم وشعورهم بالظلم الذي وقع عليها فأخذ يحاول أن يجد له مكانا في العائلة..
كان واضحا لأم نبيل أن عقل أم جميل الباطن ابتدع شخصية العفريت كمنقذ لها مما أصابها أو قد يصيبها..وبما أن أبو جميل لم يكن متعلما ويؤمن بما تربى عليه من معتقدات السحر والشعوذة فقد صدق الأمر وخشي على نفسه ومع أول ثورة لأم جميل عندما دافعت عن أبنائها جاءتها قوة غريبة رهيبة وهجمت عليه تكاد تقتله ..كان الموقف مخيفا فقد تغيرت ملامحها وجحظت عيناها الى الخارج وأخذت تتكلم بصوت فظيع أشبه بصوت رجل فاجر معلنة أول ظهور لشخصية الجني جبار ومع ظهوره بدأت مرحلة جديدة من حياة أم جميل تتحكم وتتأمر وتفعل ما تريد بحجة أن الأمر ليس بيدها وأن ما يرونه ليس سوى أوامر جبار..وبات الزوج المتعسف كالهر الجبان تحت رجمة العفريت وأوامره ينفذ مرغما صاغرا دون تذمر أو شكوى شعر أنه ضاع في الطوشة ..كان أول ما طلبته ( بلسان العفريت طبعا) احضار أختها المطلقة الكلالة أم عطية فورا للعيش معها مع الأنفاق عليها وتلبية كافة طلباتها..أما الطلب الثاني ،أن يعتذر لأخيها على ما تسببه له من ألم بابعاد أخته عنه وقام ولأول مرة بزيارة منزل شقيقها ودعاه وأولاده لزيارة عمتهم أم جميل..وفيما بعد تطورت مطالب العفريت فأعاد أبو جميل الأرض التي استولى عليها الى زوجته.وباتت تقبض ثمن استغلالها فعاشت في بحبوحة مادية تنفق من سعة على أبنائها كانت وما تزال محسنة فلا تقهر يتيما ولا ترد سائلا وتتحدث بنعمة لله عليها لم تنس فقيرا ولا محتاجا وباتت تقدم المساعدة لكل من يسأل ظهرت شخصيتها الحقيقية المقموعة الرقيقة الطيبة الودودة وقلبها المليء بالحب والعطف على كل الناس عدا أبو جميل.. .. وبوجود جبار حققت مكاسب هائلة ما كان لها أن تحلم بها..
أي أن العفريت شكل طوق نجاة لرد الظلم والجبروت الذي تعرضت له أم جميل، تختفي خلفه وتحتمي به ينطق بلسانها ويحقق مطالبها ويعيد لها ما سلب منها ويدافع عنها فهي المسكينة الضعيفة والتي لا حول لها ولا قوة فجبارهو السبب وهو الذي يؤيد كذا ولا يؤيد كذا يحب فلان ويكره غيره.. شيئا واحدا لم يفلح به تطليق أم جميل من أبو جميل رغم الحاحه والذي كان يمثل أهم مطالبها..ومع مرور الوقت وبعد أن حصلت أم جميل على ما تريد انتقلت شخصية جبار الى مواقع اخرى انتقامية وبدأت عملية رد الصاع صاعين..تريد الأنتقام مما حاق بها طيلة عمرها..
ويبدو أن اللعبة أعجبت أم جميل فتورطت بها الى أبعد الحدود.. وطالما أنها عجزت عن الدفاع عن نفسها سابقا فهاهو من يدافع عنها..وأصرت على قصة العفريت حتى لا ينتهي مفعوله السحري ويعود اليها الظلم الذي عجزت عن رده .. فتعايشت مع قرينها وبما أن أبو جميل هو السب بكل مآاسيها وأكثرمن قسى عليها وعذبها وأكثر من تكره فقد ركزت عليه هجومها.. والواقع أنها نجحت في ذلك وبات أبو جميل كالخنفساء المذعورة.
..الا أنه استمر في بعده عنها وتجاهله لشخصها كزوجة ولم يعد ذلك يعنيها مطلقا..فقد وطنت نفسها على ذلك.
بعد ما يقرب من الشهر من صداقة أم نبيل وأم جميل تحسنت نفسيتها وعادت اليها بعض السكينة وتوقفت عن الصراخ ليلا وهدأت الأحوال بشكل عام وتوطدت علاقة الجارتين وكانت أم جميل تتصل بجارتها يوميا تخبرها بأحوالها وآخر مستجداتها وكانت أم هاني تهون عليها المشاكل وتساعدها في حل بعضها قدر الأمكان ولكن مشكلة كبيرة غير متوقعة هبطت، فقد عاد أبو جميل فجأة من اجازته..
بعد عودته بأيام قام بعمل مخجل اذ مدد أسلاك ساعة الكهرباء الخاصة بشقته وكذلك مواسير ساعة الماء بساعة بعض جيرانه دون علمهم وعندما أحضر الساعي الفواتير وكانت قيمتها مرتفعة اشتكى الجيران وعند الكشف عن الساعات أكتشفت فعلة أبو جميل الدنيئة بسرقة جيرانه وقطعت المياه والكهرباء عن شقته.. كانت حجة ما بعدها لأم جميل وعفريتها كي يمنعوه من دخول المنزل بتاتا وبات في حيص بيص تأكله فضائح أعماله ورغم التوسلات والوساطات لم يفلح أحد بأخذ السماح له بدخول المنزل ..
" وما شأن أم جميل بالأمر ..فليست مسؤولة وليس بيدها جبار هوالمسؤول ما غيره وطالت المسألة وباتت موضع تندر وفكاهة الناس والأغرب أن جبارأمرأم جميل كما ادعت أن تلقي بحاجيات زوجها في الشارع ولتخلص من آثاره نهائيا ومن شره فليس من المعقول أن تعيش امرأة محترمة يعشقها ابن ملك الجن بعد اليوم مع لص يسرق جيرانه فكرامة العفريت وحرصه على محبوبته لا يسمح.."
وبهذه القصص والمتابعات توصلت أم نبيل الى حقيقة أمر أم جميل ووضعت نقاطا عدة تسير عليها :
- أم جميل في حقيقتها شخصية معطاءة طيبة وكريمة محترمة يملأ قلبها الحب حرمت من حبيبها بأبشع الطرق.
- حرمانها من أهلها وهي في سن مبكرة.
- حرمانها من ارثها وجلب العار اليها بمقاسمة أخيها الوحيد وهذا لا تقوم به امرأة فاضلة في عرف الأقارب..
- تجاهل أبو جميل المروع لزوجته وقسوته عليها وانصياعه لأوامر والدته وأخته..
- اتيانها بطريقة عجيبة غريبة بوضع رأسها تحت خزانة الملابس.
- قسوة والدته عليها بمسألة الصلاة ما جعلها تفتعل الأمور التي تبعدها عن الوضوء والصلاة وقراءة القرآن رغم تدينها الأصلي.
- المشروب الذي كنت تقدمه لها الساحرة والذي كان يتسبب لها بآلام شديدة بالأمعاء..
- البيئة الجاهلة التي تؤمن بالشعوذة والسحر.
- وفاة والدتها دون ان تراها وتعثر شقيقتها بزواجها..وحرمانها من رؤية أخيها الوحيد...حملت أبو جميل مسؤولية ذلك.
- سحق شخصيتها والتحكم بها الى أبعد الحدود وتعريضها الى ظلم قل مثيله..
- محاولة حرمانها من اولادها..
- حقارة شخصية أبو جميل فهو منقاد ضعيف طماع لئيم متحجر القلب جبان ومتجبر في نفس الوقت لص لا يحترم علاقاته بجيرانه..
أي أن أم جميل رفضت أبو جميل لأنها كانت على النقيض منه تماما ولكن ضعفها وقلة حيلتها وعدم وجود سند جعلها تعيش تجتر آلامها وأحزانها تأمل اليوم الذي يأتي لتتخلص من كابوس هذا الزوج..ولكنها كانت عاقلة اذ انتظرت اللحظة المناسبة لاتخاذ القرار..
حتى ذلك الوقت لم تكن ام نبيل قد صادفت أو التقت أيا من البنات..فالبنت الكبرى متزوجة وتزور والدتها مع زوجها ليلا والأخريين تعملا من الصباح وحتى المساء..ربما هربا من وضع الوالدة وربما لن ساعات الدوام تتطلب هذا الغياب الطويل عن البيت.
ومع عودة أبو جميل توترت ام جميل من جديد وعاد اليها جبار بأقوى مما كان سابقا فقد رفضته هذه المرة تماما.وفي ليلة من ليالي رمضان استمرت أم جميل تصرخ من المساء وحتى الصباح وما ان غادر أبو نبيل البيت الى عمله حتى هرعت أم نبيل الى جارتها..كانت متأكدة ان وضعها بات لا يحتمل وأن مسألة العلاج النفسي الفوري قد أزفت..
كانت أم جميل في حالة يرثى لها من التعب والأنهاك..فليلة عامرة بالصراخ لا بد ان تقضي عليها ولكن الله لطف بها..وجدتها غارقة بما نزفت طيلة الليل من عرق وبول كان شعرها منكوشا ووجهها أصفر وقد وهنت تماما.
طلبت من أم عطية اعطاءها رقم هاتف ابنتها الكبرى فكلمتها وطلبت اليها الحضور فورا ..بعد نصف ساعة كانت البنت قد حضرت..فتعرفت على الجارة الطيبة..
- لا يمكن ترك والدتك على هذا الحال..
- ماذا نفعل أرجوك..أحضرنا لها الشيوخ من كل مكان.
- أتركينا من هذا الكلام..والدتك تبغض والدك بشكل لا يمكن وصفه وجبار ما هو الا عقلها الباطن الذي يعبر عن هذا الكره.. ومن هنا علينا ان نبدأ.
- ماذا نفعل أنا تحت أمرك.
- علينا أن نتصل بطبيب نفسي..
- معقول يا خالة..
- هذا هو المعقول..
- كما تشائين.
كانت ام نبيل تتابع برنامجا تلفزيونيا يتحدث عن المراض النفسية يقوم بتقديمه أحد أشهر الأطباء لنفسيين في البلد فاتصلت بعيادته وطلبت موعدا اضطراريا..
كان الطبيب متجاوبا وقامت أم نبيل وابنة أم جميل بتغيير ملابسها وتمشيط شعرها وحملها بسيارة البنت وذهبتا الى العيادة النفسية..
كان الطبيب لطيفا للغاية وترك أم جميل تتحدث وتأخذ وقتها وبعد الفحص وجدها مريضة بماء الرئة وهبوط بالقلب وأوصى بنقلها فورا الى المستشفى فقد كان وضعها خطيرا للغاية..
نقلت أم جميل الى المستشفى على عجل ووضعت في غرفة العناية المركزة أسبوعا كاملا..وكان الطبيب النفسي يزورها في غرفتها ويكمل حديثه معها..
بعد أن سحبت المياه من رئتيها وتحسن قلبها بدأ علاجه النفسي باعطائها المهدءات والأدوية اللازمة..
كانت ابنتها من أجمل من خلق الله وأكثرهن حبا وتدينا وكان زوجها متفها لانشغالها بوالدتها..أسبوع بعد أسبوع وموعد بعد آخر..استمر العلاج عدة أشهر..
ارتاحت أم جميل بعد أن أخرجت ما في قلبها من هموم تراكمت مع طول السنوات وأدركت أم نبيل عمق محنتها وحاجتها الى الحب والحنان والتفهم والأهتمام تحسنت حالتها أكثروأكثر وقويت عزيمتها ووثقت من نفسها وشعرت أن بأمكانها من الآن فصاعدا أن تأخذ حقها بنفسها دون أن تتستر وراء أحد وزال العفريت وأخذ معه أيامه الحزينة وعاشت أسرة أم جميل بعد ذلك حياة مستقرة... ولم تنس أم جميل أم نبيل وما قدمته لها ففي كل مناسبة تجدها في بيتها تقدم الواجب على أحسن ما يكون وزال خوف الجارات منها واندمجت في مجتع بنايتها وتقدم شاب مغترب لخطبة احدى البنات وتم الزواج وسافرت معه الى مكان عمله بعد أن اطمأنت على والدتها.. اما أبو جميل فعاد الى بيته بعد أن سامحه جاره ولكنه بقي بعيدا عن زوجته وقد قبل بعفوها عنه ورضي بقسمته .. وقد تاب الىالله تعالى لعل الله يغفر له ما تقدم من ذنبه والله عفو ذو انتقام..
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي عفريت أم جميل