لا غرابة فيما ذهب إليه الملياردير الأميركي وارين بافيت في السنوات الماضية، بالطلب إلى حكومة بلاده فرض ضرائب إضافية عليه وعلى سواه من الأثرياء؛ وهو بالفعل ما كان ضمن جوهر خطة الرئيس باراك أوباما آنذاك لإنقاذ الاقتصاد الأميركي الذي تأثر، على نحو مقلق، بتداعيات الأزمة المالية.
في القارة الأوروبية أيضا، سلك أغنياء فرنسا وألمانيا الطريق ذاتها، وأبدوا استعدادا لدفع ضرائب أعلى على موجودات مؤسساتهم. والأمر هنا يُحدث فرقا على صعيدي "حلحلة" الأزمات المالية، وتحقيق عدالة اجتماعية أكبر، عندما يكون الحديث عن شركات كبرى.
أسوق تلك النماذج وغيرها، ومثلها خطط الإنقاذ التي درجت عليها اقتصادات دول صناعية كبرى خلال الأزمة المالية التي نشبت قبل أربع سنوات، وفي الذهن أمنيات بتسلل عدوى تلك المواقف من طرف الأثرياء والحكومات في الغرب، إلينا في الأردن، بغية تحقيق منسوب أعلى من العدالة الاجتماعية. ونحن أحوج ما نكون إلى ذلك في ظل أزمات مالية متلاحقة، يدفع ثمنها المواطن البسيط من دخله الهش. 
ولعل الدراسة الشهيرة التي رصدت قبل سبع سنوات عدم التماثل في توزيع الدخل بصورة عامة في بلادنا، تكون مدخلا وسببا أكثر وجاهة لنسلك الطريق التي مضى عليها غيرنا. فكون أغنى 30 % من السكان يمتلكون حوالي 60 % من الدخل، يجب أن يدفع السياسة المالية إلى إحداث فرق في المسار الضريبي. ومثلها أيضا النسبة الصادمة التي تؤكد أن أغنى 2 % من السكان يمتلكون 13 % من إجمالي الدخل في المملكة، وبما يتناقض بشكل كبير مع توزيع الدخل في دول متقدمة ونامية على حد سواء.
حديث وزير المالية د. أمية طوقان، إلى الصحفيين أول من أمس، حول تشديد الإجراءات حيال التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة المشمولين بالضريبة، يصب في الهدف المأمول ذاته، لاسيما أن مسودة قانون ضريبة الدخل نصّت، للمرة الأولى في تاريخ البلاد، على عقوبة الحبس لكل من يتهرب من دفع الضريبة. والأمل أيضا أن تنعقد الإرادة الجمعية؛ حكومة وأفرادا ورجال أعمال ومؤسسات مجتمع مدني، لتشكيل ثقافة جديدة ترتكز إلى النظر للمتهرب ضريبيا باعتباره مجرما مخلا بالأمن الوطني، تجب معاقبته، تمهيدا لتسهيل مهمة دائرة ضريبة الدخل والمبيعات في تحصيل الضرائب بشكل عادل، وبما يتيح لخزينة الدولة مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات المالية التي تعصف بنا.
ثمة تقديرات رسمية تشير إلى أن التهرب الضريبي في الأردن دون 700 مليون دينار، وأخرى غير رسمية تؤكد أن حجم هذا التهرب هو ضعف ذلك. وفي الحالتين، يؤمل أن تسير الدولة بشكل جدي في ملاحقة المتهربين، تمهيدا لاسترداد حقوق الخزينة، وضمان هيبة القانون، وإرساء العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
ليس عبثا ما تفعله دول تملك اقتصادات كبرى؛ فحملات دائرة الإيرادات الداخلية (جهاز الضريبة في أميركا) لا تتوقف ضد مصرفيين ومحامين ومدققي حسابات، داخل وخارج أميركا.
إنها الجراحة الحقيقية التي يحتاجها جسدنا المالي المعتل، تحت عنوان "صيد الأثرياء". وبخلاف ذلك، فإن الإصلاح المالي "برتمه" الخجول حاليا، سيكون مجرد تكرار ممل لجولات وصولات العلاقات العامة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   حسن احمد الشوبكي