شهيد من الخضيرة (25)
الله سهلها لها هذه المرة فوصلت مع ساعات الظهر وما زالت الزيارة قائمة لم تشأ الإنتظار للغد لتكون أول الصف بل توجهت فورا إلى الشيك فوجدته منتظرا لمحته فورا فنادت"محمد..محمد..هيني.." توجه فورا إلى حيث تقف : تأخرت..خير ان شاء الله.." " في حدا معك؟
كلا حضرت وحدي..
شيء ما يشغل محمد ..ملامحه غير.. في المرات السابقة كان حاله أحسن..يا رب اجعله خير..
تحاول اختراق الشبك..ما باله حزينا مهموما وكئيبا ..غادرته الإبتسامة ومحاجر عينيه دخلت إلى جمجمته وقد أحاطت بهما هالة سوداء ..نظراته زائغة .. وخديه انزلقا إلى أسف لحيته.. خطف منظره قلبها وكأنها لوهلة شاهدت ملك الموت يحوم فوق رأسه..رجت رأسها ..لا ..لا من غير شر..يمكن مريض ..يمكن ماله شيء..سألته بهلع :
- شو يا خوي ان شاء الله خير شو مالك ليش هيك وجهك أصفر وضعفان وعينيك وسعانات.
لم يجبها بالكلمات ولكن بالدموع.. فصرخت ودقت على صدرها.. شو في يا محمد مالك ..مسح دموعه وسألها ان كان بامكانها أن تنتظر لنهار الغد .. فردت :
أنتظر العمر كله علشانك يا خوي شو يوم ويومين.. بس ليش؟؟ بدك تطلع.. هز رأسه نافية .. واللا شو في.. ليش بدك اياني أبقى يومين.
"قرروا تنفيذ حكم الأعدام بعد يومين"
يا وردي.. يا وردي صرخت بأعلى صوتها، وتوجهت حيث يقف أحد الجنود تتوسل اليه؛ ترجوه أن يتوسط لأخيها، جرت الى باب السجن على غير هدى، تتوسل لهذا الجندي وذاك فيما تسمع صوت محمد يناديها .."يا أختي اصبري يا فاطمة أصبري..رايح أروح شهيد ان شاء الله كرمان فلسطين..كلنا نموت".
كيف تصبر وقد نسيت نفسها وهي تبكي وتندب .. بينما تزيد من توسلاتها ورجائها..إعتقدت أن أحدا يمكنه تغيير الحكم والتوسط لأخيها..أشفقت عليها إحدى الزائرات فخطفت الطفل من بين يديها تهزه وتطبطب عليه.
صاح أحد الجنوب بمحمد أن يدخل ويوقف هذه المسرحية المزعجة ..توجه الحاجه كلامها للمهندسة رحاب التي غرقت بالدموع :
"مسرحية قال..يريدون شنق شاب في أول العمر ويعتبرونها مسرحية.. شوفي كيف حياتنا رخيصة عندهم".
عز حالها على الزوار، فأخذوا يهدئونها ويواسونها " ماذا نفعل هذا نصيبنا مع هالمجرمين ..وحدي الله ..الله يفرجها علينا..شوفي هالناس كلهم لهم أبناء وأخوة محكومين بالإعدام هم أيضا مثل أخيك..والله كل يوم يشنقون مجاهد..الله يساعدنا على مصيبتنا..من الآن وحتى الصباح يغير الله من حال إلى حال..لعل الأرض تنخسف بالإنجليز ويتحرر أسرانا من بين إيديهم.. لعل معجزة تحدث..لعل الله يكسر الإنجليز..لعل..ولعل..ولكن الأخت التي لوعها منظر أخيها في بدلة الإعدام هيهات ان تكن أو تسكت".
جروها الى الخارج.. لم تعد الى إلى الخضيرة .. تريد أن تبقى في المكان الذي يتنفس فيه أخوها ..لا تريد أن يفوتها شيء..لعل وعسى.. ومع عدم توفر الهواتف أو السيارات لم يعلم أحد بما يجري لها فبقيت وحدها إلاّ من رحمة الله.
وكيف لها أن تهدأ أوتغمض لها عين !!! ما أن انشق النهار حتى توجهت الى باب السجن.. وقفت تسأل الجنود السماح لها بزيارة محمد لقضاء بعض الوقت معه، لا زيارات في ذلك اليوم ، فمـُنِعت. جلست في الشارع المقابل تتنسم رائحتة، تنظرالنوافذ الصغيرة العاليه، لعلها تلمح يدا تلوح لها من بعيد، أو ترى ما يوحي أنه موجود خلف هذه النافذة أو تلك. أرادته أن يعلم أنها موجوده ..موجوده.. ومعه في كل لحظة..لا أكل ولا نوم ولا راحة أصبحت كالشبح هيكل عظمي يمشي على الأرض.