شهيد من الخضيرة (24)
علا صراخها وقد تأكد لها الخبر، فجاءها أحد الزوار وقد أحزنته حالها، وأخذ يتكلم معها موحيا اليها أن سجينه هو الآخر؛ ربما يحكم عليه بالإعدام كأخيها، وأن هذا قدرنا وأن علينا أن نصبر ونتصبر وما الى ذلك من حديث "لا بودي ولا بيجيب ولكن الله يخلف عليه ".. بعد الزيارة التي انتهت بـِـهَمٍ وغَم قال لي الرجل الطيب: "توكلي على الله يا ختي تعالي معي نروح على دارنا تبيتين عندنا الليلة، وغدا أوصلك إلى الخضيرة..ديري بالك على الولد اللي معك"..كان الرجال في الزمانات شرفاء يعتبرون النساء جميعا أخواتهم ولا يفكرون بالغدر أو الخيانة كانت النفوس صادقة صافية والهمم عالية..كان معظم الناس أميين لكن والله أخلاقهم كانت أكثر مائة مرة من كل حملة شهادات هذه الأيام..شكرته وقلت له أنا أدبر حالي ومثل ما جئت سأعود ويا ريتك سالم..تركت ورائي زوجي وأبنائي ولا بد من عودتي"..كانت حالتها بالويل ولا تريد أن تثقل على الرجل وعلى عياله وبيتها أولى بها..
"حسبنا الله ونعم الوكيل ..حسبنا الله ونعم الوكيل .. يشنقون محمد، زين الشباب، وهو في عز شبابه؛ لم يشبع من حياته ولا من زوجته ولا من الدنيا .. أيها الظالمون لعنكم الله".. تشتم وتسب ولا يهمها أحد..فماذا بعد الحكم بإعدام محمد..فيييي أكثر من هيك؟.
بعد هذه الصدمة، زارته مرتين وفي آخر مرة، تحدث بكلمات قليلة، وسألها أن تحضرالفرشة التي ولدت وماتت عليها زوجته .."أطلب روحي يا خوي أجيبها لك " وسط البكاء والحزن .. عادت أدراجها معمية القمار ولحسن الحظ كان الحمار يحفظ الطريق ..فمشى بلا دليل وهي على ظهره تضم طفلها في حضنها.
غير معقول..مش ممكن..أوهمت نفسها أن الشنق أمر بعيد ولن يحدث، غير معقول أن يشنقوا شاب مثل محمد..لا، ولو، أليس في قلوبهم رحمة.. أليس لهم أبناء..مهما كان ..مش معقول ..لا يمكن.. أخذت تتصبر بالأمل والحلم.. وتجاهل الحقيقة..لكن الموضوع أبى أن يغادرها، اذا غفت ترى المشنقة وجسد أخيها يتدلى منها، فترتعد وتنهض واقفة كالملدوغة..باتت أحلام المشنقة والشنق وأخيها المشنوق لا تفارقها..باتت عصبية لا تسمع لأحد ولا يثنيها عن زيارته شيء مهما كانت الظروف ومهما كانت الأوضاع تحمل ولدها وتركب حمارها وتتوكل على الله..تركها زوجها تفعل ما تريد.."الله يساعدها ويكون بعونها..مصيبتها كبيرة".
جهزت الفرشة التي أوصاها بها منذ الليل كما حضّرت بعض الجبن والزبدة والخبز الطابون وضعتها في أكياس صغيرة وبعد صلاة الفجر ساعدها زوجها بوضع الفرشة على ظهر الحمار وتوكلت على الله ، تراودها أفكار غير واقعية بأن تجد الحكم تغير .. لأ.. لأ مش معقول يشنقوا محمد... مش معقول شو أليس لهم أولاد لا بد أنهم رقوا لحالي..ستجد الحكم تغير ...يمكن خففوه ..يمكن غيروا رأيهم .. يمكن ويمكن.. وأحيانا تؤمل نفسها بما هو أكثر،.. تجده خلع بدلة الإعدام، تزيد في أحلامها فتتوقع أنه سيعود معها ولم يأتها من احضار هالفرشة سوى الغلبه، مش مهم .غلبتها، المهم أنها لبت له رغبته، ثم أن أخوها عندما يعود معها سيعاونها بحملها بالتأكيد.. وصلت أخيرا وتوجهت الى حيث تربط حمارها عادة..ستجده طليقا جاهزا لمرافقتها العودة إلى الخضيرة..يا سلام لو يحدث ذلك ، كانت ستستمر بالزعاريد والغناء طول الطريق تكمل الحاجة فتقول "والله مساكين هالفلسطينيين ما حدا ذاق اللي ذاقوه".