شهيد من الخضيرة (23)
السجين محمد ..البطل محمد..المجاهد محمد..الأسد محمد.. ماذا تقول وقد رأته يُقبـِـل رأسها ويديها من خلف سلك السجن..وكيف تصف ما حل بها .. بكت وبكى وحاولت لمس أصبعه. تتمنى كل يوم لو كتبت الحياة لولده ليبقى لها بعضا من اثره.
وقفت معه يفصلهما السياج. تسأله عن حاله، ومتى يخرج، وعن حاجته وما يمكنها أن تحضره له في زيارتها القادمة فهز رأسه بأسى وقال :"يكفيك ما وصلك من هَم بسببي ..وعندما رآها تبكي بحرقة قال لها : أرجوك يا أختي لا تفعلي هذا بنفسك، أرجوك ساعديني بصبرك..شو ما صار يصير، بعد عايشة وولدي، لم يعد يهمني شيء في هذا العالم سواك ، أرجوك ديري بالك على حالك لأجلي، يا أختي ما تزعليني منك". ادعت الأبتسام ، فضحك وبانت أسنانه الجميلة البيضاء.
لم تخبره أنها وصلت منذ الأمس وأنها أمضت الساعات تنتظر ..لم ترغب إزعاجه.
انتهت الزيارة، وبات عليها المغادرة، بقيت لآخر زائر تقف أمام السياج تريد أن تشبع من رؤيته ، ودعته كما استقبلته بالدموع وعادت تحمل طفلها الى حيث ربطت حمارها ومشت من جديد الى الخضيرة.. وهكذا في كل مرة..أحيانا يرافقها أحد الأقارب أو زوجها الذي انشغل كثيرا بعد غياب محمد .. ولكن في الأغلب الأعم تذهب وحيدة. لا تتذكر بالضبط المدة التي قضاها أخوها في السجن ولكنها تعتقدها ستة أشهر.
عندما شاع خبر سجن محمد جاء الأصدقاء والتجار من كافة المناطق التي كان يتعامل معها. كل من حضر عرسه جاء يسأل ويستفسر ويتقدم لأي مساعدة" الناس كان فيها خير كثير تلك الأيام"..وبدأت أسراب الزوار تتوجه إلى السجن لزيارته في كل أسبوع وكانت هي أول الزائرين وآخر المودعين دائما.. ولكن مع طول المدة بدأت الأعداد تتناقص فلكل واحد ما يشغله من عيال وتجارة والجري وراء الرزق بقيت وحدها مستمرة في الزيارة الأسبوعية.
في آخر زيارة؛ شاهدت منظرا أفقدها صوابها، فعندما أطل عليها محمد انعقد لسانها وأخذت تتهته وتشير بيدها يا الهي ..تتلعثم بالكلام.. يا رب ...شو..شو.. صرخت وبكت وفقدت القدرة على المشي الى المكان المعتاد.. كان يرتدي بدلة حمراء اللون..كانت تعلم ان هذه البدلة لا يرتديها إلا من يحكم عليه بالإعدام....نعم الإعدام.. يا للهول..الإعدام لمحمد أخيها وشقيق روحها..غير معقول..يعدمون محمد وتصبح الدنيا خالية من محمد ومن ذكره العطر ومن سيرته..لأ..لأ.. لا يمكن..قد لا يكون لون البدلة أحمرا..ربما أسود أو زهري أو يمكن أخضر..ربما اختلط عليها الأمر فلم تعد تميز الألوان..ربما غيروا ألوان بدلات السجناء ..ربما وجدوا الأحمر أجمل..ربما نقص عليهم قماش بدلات المساجين .. لا والله يا فاطمه..البدلة حمراء..حمراء بلون الدم.
حكموا على محمد بالإعدام شنقا حتى الموت.." يا حسرتي على محمد وعلى اللي جرى له".. في تلك الأيام لم يكن عندنا محامين ولا مدافعين عن المجاهدين والإنجليز هم الحكم والخصم كل شيء بإيديهم واللي يقع بين أيديهم يا ويله.. ومن يستطيع أن يعارضهم أو يقاضيهم!! حسبنا الله ونعم الوكيل .. حسبنا الله على الأنجليز حسبنا الله على الظالمين..
صرخ المهندس ثامر والمهندسة رحاب بصوت واحد :"الإعدام".
فردت عليهم : " نعم الإعدام".