شهيد من الخضيرة (19)
شهران ..شهران يا محمد تغيب عن أختك..شهرين بالتمام والكمال ،أحصت أيامها باليوم والدقيقة.
وفي ليلة خميس، سمعت همسا ورأت رفعا لقسم من شادر الخيمة، كالمرة السابقة فأشارعليها بيده أن تخفض صوتها لأن معه جماعة، وطلب منها أن تهيء لهم بعض الطعام.
ملأت ابريق الشاي، وأخرجت بعض البيض والسمن، وبنشاط بدأت التجهيز..لحظات واذ بجلبة وصوت عجلات سيارات ومكبرات صوت وأجانب يصرخون " أخرج يا محمد .. أخرج نحن نعلم أنك هنا..يلا بسرعة..أحسن نطخ..
يا لطيف يا الله ..شو السيرة..من هؤلاء.. يا رب استر يا رب.. يا خيبتي عليك يا فاطمة..
تركت ما بيدها وأسرعت الى أخيها ورفاقه فلم تجد احدا منهم ..أين ذهبوا .. وين راحوا .. شو بلعتهم الأرض..!! بسم الله الرحمن الرحيم..وين راحوا..تدور حول نفسها كالمجنونة.
أسرع جندي انجليزي إلى داخل الخيمة وصرخ بها :
- أنت فاطمة ؟
ردت بلسان يترجرج وريق جاف:
- أيوه شو في؟
- وين محمد كولي له يسلم نفسه..
أجابته انها لا تعرف، فرد متسائلا، وهذا الأكل لمين بتحضريه في نص هالليل..
كانت امرأة غشيمة ارتبكت، ولم تعرف كيف تتصرف، فرد على سؤاله بأنها تعد الطعام لمحمد ولجماعته "مش هيك يا فاطمة.." كيف عرف اسمها اللعين..يبدو أن الجاسوس فعلا منهم وفيهم.
بعد أن فتشوا الخيمة، وخلطوا السمن مع الطحين، والأرز بالكاز مع الزبدة والحليب، خرجوا الى الحظائر وأطلقوا النار على الكثير من الماعز والغنم، وحرقوا البرسيم والشعيرالذي جمعته العائلة طول فترة الصيف ..كما يفعل اليهود الآن..اتعلموا من بعضهم كيف يذلونا ويقهرونا ويخربوا بيوتنا الله يجازيهم على عمايلهم ..قال كبيرهم:
- مش أحسن الكم لو تكعدوا وتعيشوا مسالمين وتتركونا نتصرف زي ما بدنا بدل ما تكاومونا ونكتلكم ..كولي لمحمد لما تشوفيه يسلم نفسه.
"الله لا يسلمه البعيد.." تدعي الحاجة على الجندي الإنجليزي.
كانت ترتجف من الخوف وقد خرج عمها وعياله وسكان الخيم المجاورة وكل الحمولة تنظر وتتساءل..لحظات وكأنها الدهر، عجزت عن المشي فهبطت على الأرض، يكاد قلبها يقفز من صدرها يضرب بشدة وشفتاها ترتجفان ونظراتها زائغة والخوف والأفكار السوداء تتقاذفها في كل اتجاه..
غادرت جيبات الإنجليز وسياراتهم، ومن بعيد سمعت فاطمة والناس المتجمعين زخات متتالية من الرصاص؛ فهلعت وأخذت ترفع يديها الى السماء راجية مترجية تركض نحو صوت الطلقات وزوجها يشدها بأقصى قوة .. "ارجعي يا مرة .. وين رايحة .. الحين يطخوكي.. ما انت شايفاهم مسعورين، لا الهم ذمة ولا دين.." حاولت التفلت من بين يديه لكنه أقوى منها ..أوقفها..هدأ الرصاص فخرجوا عن بكرة أبيهم، يفتشون المنطقة عساهم يعثرون على بعض الشهداء أو الجرحى. لكنهم لم يجدوا سوى رصاصات فارغة تملأ المكان.
والله صحيح الجواسيس معشعشين بين أواعيهم، كما قال محمد تربصوا به من جديد وفتحوا أعينهم وآذانهم..أحصوا خطواتهم وروحاتهم وجياتهم؛ لم يغفلوا لا ليل ولا نهار.. بدأت تشك في كل الناس..اذا جاءتها زائرة تتساءل إن حضرت لتعرف أخبار محمد ..وإذا سألها أحد عن حالها تشك أنه يريد أخبار عن محمد، وإذا قابلت أحد في الطريق تظنه يتبعها لمعرفة طريق محمد، وإذا سمعت حركة خارج الخيمة تتوهم أنهم جاؤوا يتسمعون عليهم ..وصلت حد الهلوسة..سمعت عن أسوأ أنواع التعذيب الذي يناله المجاهدون مـن الإنجليز..إضافة إلى الضرب وسكب الماء البارد على أجسادهم في عز البرد والتعليق من الرجلين والكي بالناروالتجويع والحرمان من النوم والحرمان من زيارات الأهل وأساليب إجرامية كثيرة، كانوا يدهنون وجوه الثوار الجميلة الحلوة بزبل الحيوانات، ويأمروهم بشرب مياه الحمامات ويأمروهم بالمشي حفاة على شوك الصبر .."يا ويلي يا ويلي" ويسلطون عليهم الكلاب تنهش أجسادهم،..ويصبون عليهم الزيت الحار، أو يرموهم تحت المطر أو تحت الشمس الحارقة.."عمل الإنجليز فينا اللي ما ِبنعَمـل..الله لا يسامحهم".