مذهل حجم الغضب الذي يسببه طرح مسألة الكونفدرالية بين أوساط النخب من الأردنيين والفلسطينيين، إلى درجة أفقدت النقاش اتزانه وموضوعيته، بل وأصبح سببا لتقاذف سياسي يمس أحيانا الوحدة الوطنية، ويستحضر تاريخا يثير حساسيات تجاوزها الشعبان الأردني والفلسطيني اللذان طورا وعياً جمعياً يدرك تماما ضرورات الفصل السياسي بين الأردن وفلسطين كدول وشعوب، مع الاحتفاظ بخصوصية العلاقة بين البلدين والشعبين الشقيقين بحكم حتمية التاريخ والجغرافيا والإرث والحضارة.
بعيدا عن ردود الفعل الغاضبة التي تناولت تسريبات نسبت إلى الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يدعو فيها قيادات "فتح" للتحضر لمرحلة الكونفدرالية مع الأردن، وهو ما تم "شبه" نفيه من قبل عدة قيادات فلسطينية؛ بعيدا عن ذلك، نجد أن المنطق السياسي وأبجديات المشهد الناظمة تدلل بوضوح على استحالة التفكير بالكونفدرالية، وذلك بسبب فقدانها لأي رصيد شعبي، ولأنها باتت تعاني من إفلاس براغماتي، ناهيك عن تعارضها بشكل استراتيجي واضح مع التطلعات السياسية للشعبين الأردني والفلسطيني، لاسيما وأن إحقاق الدولة وتثبيت الهوية الفلسطينية أصبحا من ثوابت العمل الوطني الفلسطيني، وتوجها عربيا راسخا بدأ العام 1974. أما القول إن عباس قد عمد إلى الحديث عن الكونفدرالية كوسيلة ضغط للتفاوض مع إسرائيل، فهو مستبعد أيضا، لأن تكلفة ذلك تفوق كثيرا مردوده السياسي المؤمل.
الكونفدرالية لا يمكن النظر إليها كمحطة مقبولة ومعقولة على طريق المشروع الوحدوي الاندماجي العربي، كما يراها بعض الاخوة القوميين. فهذا إفراط في المثالية في فهم وتأطير القومية العربية، ويتجاهل تاريخ التطور القومي العربي بأبسط مفاهيمه. الأردن وفلسطين سيحتفظان حكما بعلاقات خاصة واستثنائية، إلا أن فصل هويتيهما السياسيتين ضرورة حتمية لمصلحة الطرفين. وبغير ذلك تختلط الأوراق المصيرية من جديد، وهذا لن يصب إلا في صالح أعداء الأردن والقضية الفلسطينية.
بنى الفلسطينيون مداميك مشروعهم الوطني حول مفهومي الاستقلال والهوية. ولذلك، فمن غير المعقول الاعتقاد أنهم سيقدمون على ما من شأنه المساس بذلك، حتى لو رأى بعض القوميين منهم غير ذلك. والأردن في المقابل غادر مرحلة القناعة بأن الضفة الغربية جزء منه، وأن استعادتها من خلاله سيكون أكثر فعالية. وكانت آخر محطات التغيّر الاستراتيجي في الموقف الأردني إصدار تعليمات فك الارتباط طواعية في العام 1988، بعد موافقته غير الطوعية على قرار الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني العام 1974، لتحل بديلا عن الأردن. وقد يأتي التغيير في الذهنية الأردنية من التجربة السياسية إبان الوحدة مع الضفة؛ فقد نُظر إلى الأردن من قبل الفلسطينيين على أنه يريد انتزاع هويتهم، وأنه لا يقوم بما يكفي لدحر الاحتلال، كما نُظر إليه من قبل العالم وإسرائيل على أنه لا يوقف المقاومة؛ فكيف إذن للأردن أن يعود إلى ذلك المربع الخاسر؟!
الخلاصة المنطقية لهذا النقاش الحساس هي أن أيّا من الشعبين ونخبهما وظروفهما الموضوعية لا تدعم فكرة الكونفدرالية، حتى لو كان ذلك ما يزال حلما قوميا لدى البعض. والأرجح أن حديث الرئيس الفلسطيني قد تمت المبالغة في فهمه، أو نقله بعدم دقة من قبل من استمعوا إليه. ومن يعرف الرجل ومواقفه، يدرك أن التفسير الأقوم لما نسب إليه هو أنه يريد شكلا متميزا للعلاقة مع الأردن، ولكن بما لا يقترب من فكرة الكونفدرالية أو أي ترتيب يمس بالهوية السياسية المستقلة للشعب الفلسطيني.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د. محمد حسين جريدة الغد