شهيد من الخضيرة (16)
مضت الساعات والحاجة فاطمة تروي حكايتها للمهنسين الشابين دون كلل.
تصف صعوبة يوم ولادة عائشة لطفلها،كانت عسرة للغاية ..البنت تتوجع وتصرخ وتشد شعرها وخديها، تتلوى يمينا ويسارا..ترجونا مساعدتها.. والعرق يتصبب والولد لا ينزل..مسكينة تسطّـح جسدها، والنساء حولها حائرات يحاولن مساعدتها دون جدوى، يذكرن اسم الله ويقرأن القرآن بينما هي تصرخ وتصرخ ..وتصيح يا محمد ..يا محمد ..وينك تعال شوف..تعال شوف ابنك.. تعال شوفني. أكثر من عشر ساعات وهي على هذا الحال ..ُثم بدأت تتشاهد وتقول "أشهد أن لا اله الاّ الله..أشهد أن لا إله الاّ الله.." صرخت الحاجة فاطمة : "وحدي الله يا عايشة...وحدي الله..أنت بخير ان شاء الله.. بخير".
وجهها الذي كان مثل صحن البنورصار أصفر بلون الكركم، نظرت اليها نظرة حزينة ثم غابت..وارتخى جسدها تماما، صرخت الداية وسحبت الولد الذي كان نصفه ما زال داخل أمه..كان لونه أزرق مثل النيلة..لا يتنفس ولا يتحرك ..شقفة لحمة..كان ميتا.. وسبحت الحاضرات في بركة من الدماء.
عائشة يا حسره عليها، ماتت وهي في عز شبابها..كان يوما رهيبا ..ماتت وولدها وتركت المرافقات يبكين ويـَنـُحن مرتبكات غير قادرات على فعل شيء.. كانت الفجيعة بالعزيزين في غياب ثالثهم لا توصف ..أما هي فقد كان همها مضاعفا فماذا تقول لأخيها عندما يعود..وكيف سيتلقى الخبر.."يا ويلي..علينا وعلى اللي جرى لنا".
الحاجة تنوح وكأن المأساة حدثت بالأمس القريب:" من سجن عكا طلعت جنازة..توقفت، ثم قالت الجنازة هذه المرة طلعت من مضاربنا من خيمة أخوي..آيـــــه..الله يجازي اللي كان السبب".
انتظروا عودة الغائب طويلا، وحزنت على أخيها وعائلته كثيرا، فلبست ملابس الحداد وحرّمت على نفسها كل مباهج الحياة القليلة التي توفرت في زمانهم، كحضور الأعراس، أو تطريز الثياب، أو وضع الحناء على الرأس أو حتى مخالطة بنات العائلة..أهلكت نفسها بالعمل، أو الجلوس وحيدة طيلة النهار.. يحاول زوجها مساعدتها فيطلب منها أن توّحد الله وأن لا تفعل بنفسها هكذا وأن المكتوب على الجبين رايحه تشوفه العين.."يا ساتر يا رب، اللهم اجعل المكتوب على جبين أخي خير يا رب".