شهيد من الخضيرة(13)
بعد أن انتهى العرس، ورجع المشاركون الى بلادهم ..اطمأنت الحاجة وانتهت هواجسها، فمحمد بات زوجا ولا بد أن يتغير ويركد.. لكن جرى العكس تماما، فبعد بضعة أيام زاره أحد الرفاق ..جلسا يتهامسان، وفي الصباح سألت عروسه عنه فأخبرتها انه غادر مع ضيفه ..هبط قلبها .. الله يستر يا رب..فمن غير الطبيعي أن يترك الشاب عروسه ويتغيب عنها يومين كاملين..وعندما احتجت على تصرفه قال: 
-  وحدّي الله يا أختي ما حدا بيموت ناقص عمر.
-  يا لطيف يا لطيف .. ما زلت عريسا ..شو الموت..شو هالكلام من غير شر عنك يا أخي من غير شر..إن شاء الله اليهود ولا إنت.
 
"آه يا حسرة قلبي. اختفى مرة أخرى وثانية وثالثة ورابعة ، فاشتكت ابنة عمي لأبيها وتحدث اليه ولم يفلح في ثنيه".
 
سألت المهندسة رحاب الحاجة وقد تلهفت لمعرفة المزيد، طيب وبعدين ماذا جرى:
 
تغيرت عائشة وعندما سألتها عن حالها احمرّّ وجهها خجلا..فقالت لها الحاجة" والله أنك حامل يا بنت..حالك لا يخفى علي"..وأخذت تزغرد من الفرح .. كان محمد موجودا في ذلك اليوم يعاين أغنامه في الحظيرة فخرج راكضا يسأل..فبادرته بالقول " ستصبح أب..رايح تصير أب"..طارفرحا..آآآه، تمنى انجاب الكثير من الأبناء واعتقد أنهم سيعوضونه عن الأخوة الذين عاش يتمناهم بشدة, أراد تكوين عزوة وحمولة.. يضحك وهو يبشرها بأنها ستصبح عمة للكثير من الأولاد والبنات ..
"ويا ستي حضّري حالك ومالك لها الأمور،طبعا عمة ولا أحسن عمة يا أختي.."
تضحك من قلبها لكن شيء في أعماق قلبها يوقف فرحتها...الله يستر يا رب..الله يستر.. اعتقد الجميع أن الطفل القادم، سيفلح باستقراره وعودته الى عقله..
 
عائشة المسكينة صارت تخاف عليه،  وأخذت تبكي كثيرا بسبب تكرارغيابه وصارت مثل الوردة الذابلة ..هزيلة وعيناها غائرتان، وذهبت الحمرة من وجهها وخدودها ،وهزل جسدها ،ونال منها الحمل كثيرا..كان حملها صعب..ووحامها يا لطيف ..تستفرغ طول النهار ولا يبقى في بطنها شيء..وبما أن الطفل بحاجة للغذاء وهو يأخذ من جسد أمه..وطالما أمه لا تأكل ولا تشرب فكيف تتحسن صحتها.." تتحدث الحاجة موجهة كلامها للمهندسة رحاب..التي تهز رأسها بالإيجاب؛ وقد أخذ منها الشوق لسماع باقي القصة كل مأخذ ونسيت نفسها .. بينما يستمع المهندس ثامر ويستغرب من حفظ الحاجة لكل هذه التفاصيل؛ بعد مضي أكثر من خمسين عاما عليها..(حتى ذلك الوقت)...عادت للنواح من جديد تنهدت ثم أكملت:
كلهم ذهبوا ولم يبق منهم أحد يروي ما فعله الإنجليز سوى بعض العجائز أمثالها..لقد تحسرت الكثير من الأمهات، والأخوات، والزوجات على هؤلاء الأبطال..يعني الله سبحانه كان رفيقا بوالديهاّ ..ماتوا قبل ما يشاهدوا ولدهم على حبل المشنقة..والله أبصر شو كان صار فيهم..تصمت قليلا، وتشرب بعض الشاي ثم تعود للحديث بحسها العربي الأصيل:
" بعد أن شنق الأنجليز أخي محمد اشتعلت النار في قلبي وصرت أتابع الأخبار.. في فلسطين حكايات وحكايات..جاءها المناضلون من كل مكان..كان في الخضيرة بعض المجاهدين والله نسيت أسماءهم..يأتون بالأخبار..ففي سنة 36 صار إضراب استمر ستة أشهر يمكن قرأتم عنه في كتبكم ..أليس كذلك ؟"
هز المهندسان رأسيهما موافقان، تعلق على ذلك بالقول، طيب مليح هيكم بتعرفوا إشي..أحسن من بلاش..
"منعوا الأعراس وكل شيء صار ممنوع. وقالوا لنا ان بعض المناضلين حضروا من العراق وكان رئيسهم اسمه عارف عبد الرزاق، وواحد آخر اسمه أفندي سليم عبد الرحمن، والجيش الأردني. كمان كان فيهم شيخ كبيراسمه كايد مفلح العبيدات، جاء الى فلسطين ومعه مجاهدين كثيرين، وأحضر معه سلاح ووزعه على المجاهدين ..والله أظن أنه التقى أخي محمد لأنه في نفس الفترة التي شنق الأنجليز أخي محمد سمعنا عن استشهاد الشيخ كايد..الشباب العربي جسور وشجاع، أيام العز، ولم يكن بيننا حدود، كان العرب يسافرون بين بلادهم من دون حدود ولا جوازات ولا شيء..الواحد يركب حمارة، او بغلته، ويتوكل على الله ولا أحد يسأله الى اين انت ذاهب..لكن المؤامرات قسمتنا كما تقسمين قطعة الكيك هذه إللي قدماك..حتى لا  نستطيع نجتمع لتحرير فلسطين..حسبي الله ونعم الوكيل عليهم.."تسكت الحاجة ثم تسأل " طيب الى متى سنبقى مقسمين هيك..وفلسطين ضايعة".
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق