قبل عدد من السنوات قمت مع مجموعة من الباحثين الاقتصاديين بدراسة كلفة الفساد. وتبنينا نموذجاً اجترحناه من نظرية الايطالي المبدع "باريتو" في الحد الأمثل من الرفاه الاجتماعي.
وأدخلنا في النموذج أسلوب الإنتاج (دالة الإنتاج)، ودالة الاستهلاك وكذلك الحد الأمثل من الرفاه الاجتماعي بافتراض توازن الأسواق.
هذا الكلام الفني يمكن أن يترجم ببساطة الى الأمور التالية: أولاً أن الفساد هو إخلال لمبدأ المنافسة على جانب الإنتاج، ما ينطوي على كلفة للمجتمع.
وكذلك، فإن الفساد في جانب الشراء يقلل من قيمة المردود بالنسبة للمشترين، وفي الوقت نفسه هنالك تكاليف إضافية في حالة التزويد الحكومي، حيث ينطوي الفساد على كلفة إضافية على المجتمع تتمثل إما في زيادة الضرائب، أو حرمان بعض القطاعات الاجتماعية من الدعم، وخلق قيم فاسدة بأن الإبداع والإتقان والمهارة في الأداء لا تكفي للفوز بالعطاءات، بل الرشوة هي الطريق الأمثل.
وما لا شك فيه، ومما يبدو من كثير من الأدلة أن الفساد منتشر في بقاع العالم. ولذلك نشأت جمعيات الشفافية ومحاربة الفساد وغيرها.
والقضية لا تقف عند هذا الحد، بل ساء الزمان في بعض الدول في إفريقيا وآسيا الى حد صار الفاسدون هم دعاة الفضيلة، والمسؤولون عن ردعها. وهذا يعني أنَّ الرشوة صارت احتكاراً لا يجوز إلا لفئة معينة أن تمارسها وتستفيد منها في هذه الدول.
ومن الواضح أن كبر موازنة الدولة هو أحد الأسباب الداعمة للفساد. فعطاءات الحكومة كبيرة، والقادرون على تنفيذها محدودون، ولذلك تربط هذه العطاءات بعضاً من كبار المنفذين في القطاعين العام والخاص بعضهم بعضا.
ولكن تحالفاتهم تتبدل وتتغير. فصديق اليوم هو عدو الأمس، وصديق الأمس قد يصبح عدو اليوم تبعاً للمصالح.
وعودة الى الدراسة التي أجريناها في الأردن، فقد وجدنا أن كلفة الفساد في قطاع المشروعات الحكومية الإنشائية هو أكبرها من بين القطاعات، إذ إن كل دينار يدفع رشوة يكلف المجتمع بمفردات الرفاه حوالي سبعة أضعافه على امتداد حياة المشروع سواء من حيث المبالغة في الكلفة، أو التسامح في المواصفات والمواد، أو التأخير في التنفيذ، أو كلفة الصيانة، أو فاعلية المشروع من حيث الخدمات التي يقدمها، أو من حيث خروج بعض هذه الأموال هرباً من المراقبة الى دول خارجية.
ومن لا يكون مَع الحرب على الفساد لا يحب مجتمعه ولا وطنه. ولكننا لسنا مع الحكومة في التدخل في قرارات السلطة القضائية، وتحويل المشتبه في تورطهم بالفساد الى المحاكم العسكرية بموجب صلاحيات تنفيذية حسب تقديرها لأمن الدولة في هذه العطاءات.
الحكومة أعلنت الأسماء، وفضحت الأشخاص قبل أن يحاكموا، وتركت للشارع المختنق برائحة الفساد أن يصدر حكمه على المقبوض عليهم قبل محاكمتهم.
هذا التسرع غير مقبول، ومفسد لعملية محاربة الفساد. وليس هنالك لدي شك في عدالة المحكمة العسكرية، ولكن الشك يراودني في حكمة القرار المتسرع، والذي فتح بدوره تساؤلات حول نية الحكومة من قبل بعض المعلقين.
ما هكذا يحارب الفساد المكلف. ولا أعتقد أن حرص جلالة القائد الأعلى على هذا الأمر يعني تطبيقه بهذا الأسلوب.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد صحافة جواد العناني