شهيد من الخضيرة (10)

تضيف أن والدها ترك مالا كثيرا؛ ولهذا لم تحتج وشقيقها لأحد، وأن عمها حفظه بكل أمانة؛ ولم يبخل عليهما بشيء آواهم ورباهم وعوضهم عن اليتم المبكر.. (الناس كانوا يحزنون على الأيتام ويديرون بالهم عليهم) ..كبرت قليلا وأصبحت في سن زواج بنات تلك الأيام أي ما يقرب الثالثة عشرة فزوّجها أحد أبناء العشيرة، رجل طيب ذو نخوة وكرم وشهامة عظيمة إهتم بأخيها رعاه وقدره.. ورزقها الله بعدة أبناء وبنات والحمد لله، "جميع أبناء العشيرة يسمون أبناء العم.. يعني مش لازم يكون الشاب ابن عمك أخو أبوك علشان تقول له إبن عمي". 

الذكريات تتواترعلى لسان الحاجة فاطمة:"خذي يا أختي زجاجة العطر هذه..أحضرتها لك من نابلس سألت البائع شو أحسن ريحة عندك أريد أن آخذها لأختي حبيبتي فأعطاني هذه..اسمها رفادور".

تدس يدها في صدرها وتخرج الزجاجة الفارغة التي احتفظت بها طيلة العقود الماضية، وتقدمها للمهندسة " شمي ..شمي يا ست رحاب، شوفي ما أحلى رائحتها ".. تفتحها وتشم رائحتها وتبدي إعجابها بها ثم تعيدها الى الحاجة فاطمة التي تتحدث كطفل يروي حكايات مدرسته.

تسأل الحاجة فاطمة المهندسة رحاب:يمكن موجود منها اليوم ؟.

-  والله يمكن..ترد المهندسة رحاب بأدب.

ثم تضيف:

"إحنا كمان كنا نتعطر في الزمانات ..يعني مش كله زبل وحراثة وحلب غنم."

تضحك المهندسة رحاب وترد" أنتم البركة يا خالتي أم إسماعيل..البركة، والله لولاكم ما تعلمنا وتربينا وصرنا على هذه الحال".

"والله يا محمد بتضحكني..أنا أرش عطر على حالي مثل المدنيات.. يعني نخلط ريحة الغنم بالعطر".

تنظر قليلا للمهندسة رحاب التي أعجبها أدبها وحسن إنصاتها فتتشجع وتكمل كيف احتضن زوجها أخيها محمد حيث كان واحدا منهم ينام عندهم، ويأكل معهم، يسرح ويشارك زوجها مهماته في حيفا ويافا وأحيانا يزورون نابلس والقدس.. اعتبر زوجها أن وجه محمد خير عليه، في كل مرة يرافقه تتسهل أموره وينجح في مهمته ويصرّف بضاعته ويعود في نفس اليوم.

"محمد شاب نشيط يعرض بضاعتنا على الزبائن بلطف فلا يخيبونه.. ماشاء الله عنه سريع الحركه  يتفاءل الناس برؤيته والتعامل معه"..وإذا تغيب يسألون عنه " وين محمد ليش مش معك".

تستطرد بوصف الحال في تلك الأيام وكيف كانت فلسطين في زمانهم ، كتلة واحدة لا يفرقها شيء، ما في حواجز بين المدن والقرى كلهم أهل ومثل بعض..ما في بلد بعيدة عن الثانية الطرق مفتوحة والناس بخير".مش مثل هالأيام اشي فلسطين 48 واشي فلسطين 67 واشي ضفة غربية، واشي لاجئين وإشي نازحين وغيرهالأسامي اللي بنسمعها كل يوم..طيب الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين ، لماذا يقولون عنهم عرب 48..هل هم مصريون أمّ لبنانيون أم مغاربة أليس الفلسطينيون عربا..بس يريدون مسح إسم فلسطين..لا يريدون الإعتراف بالشعب الفلسطيني".

بسرعة، تعرّف محمد على طبيعة العمل والتجار والبقالات فطلب من زوجها أبو إسماعيل الله يرحمه، أن يستريح ويبقى مع العائلة ويترك له تصريف البضاعة ويوفر جهده لمهمات أخرى .. وصار يذهب وحده.الجميع يتحدث عنه وعن أخلاقه وبات حلم بنات العم والخال والقبيلة بأسرها.

تغيرت أحواله فجأة، فصاريتأخرعن العودة الى الخضيرة بعد كل رحلة فبدل أن يعود منتصف النهار مثلا، يعود منتصف الليل أو تاني يوم أقلق عليه كثيرا وتسأله: 

-  أين تذهب يا أخي..وين بتروح..الدنيا ما فيها أمان..الإنجليز منتشرون في كل كان..الله يرضى عليك دير بالك على حالك.

-  والله انشغلت شوي مع شباب.

-  والله قلبي لا يصدق كلامك يا خوي.

-  هل تعرفينني أكذب.

تبقى صامته، وقلبها خائف، فيغير الموضوع ويعود للحديث عن التجارة والتجار وأسواق المدن.."لازم آخذك في يوم لزيارة حيفا..لازم..مدينة جميلة جدا فيها شوارع ومدارس وأسواق ..ومحلات لازم تيجي معي إن شاء الله..نروح البحر كمان".

"وين أذهب يا أخي ما أنت شايف الشغل والأولاد وكله في رقبتي .." لم يكن عندي سوى الكلام وماذا كان بيدي أن أفعل أكثر !! أما زوجي فيستغرب من هواجسي :

"اتركيه يا شيخة يتنفس ما تخافي عليه..محمد جدع".

وكنت أخاف جدا من هذا التنفس..

 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق