شهيد من الخضيرة (9)

في يوم زار صديقه هذا وعندما عاد في المساء أحضر معه كمية  كبيرة من الأخشاب وألواح الزينكو والشوادر..تنادى أبناء العشيرة وبدأوا العمل وخلال يومين كانت لدينا ثلاثة حظائر واسعة .. 

أراد أن يعزل بعض الأنواع عن غيرها وأن يعزل المعز عن الخراف.. فقد تعلم أن هذه الطريقة تجعل الحلال يشعر بالسعادة أكثر.

-  وهل يفرح الحلال مثلنا يا محمد..سألته:

-  طبعا أليست أرواح ولحم ودم..طقس بلادنا بارد ماطر ..لا يجوز أن نتركها تعاني, أما في فصل الشتاء فسأقوم بعمل مدافىء لها أيضا..

-  بـِــدّك إدفيها يعني..وهل تبرد مثلنا وعليها الصوف.

-  صحيح يا ست الستات.

أضاف حظيرة أخرى لتخزين العلف ..زرع مساحة واسعة من الأرض بالبرسيم والشعير، وعندما نضج حصدناه وخــــزّناه..فوفرنا على حالنا ثمن العلف واحتفظنا بالأغنام في الحظائر شتاء؛ فلا تعاني الخروج لتبحث عن طعامها في الأودية وبين الأحراش .. تبقى نظيفة ولا تعود مليـّـطة بالطين.. وسبحان الله يزيد وزنها وهي قاعدة مكانها..ما شاء الله عنه عقله يوزن جبل..لكن ما الفائدة فهذا العقل توارى في التراب بعد وقت قصير.. يا خسارة..الله لا يوفق الإنجليز يا رب..أساس كل علة..أينما تسمعين عن مصيبة إبحثي، ستجدين الإنجليز ورائها. توجّه كلامها للمهندسة رحاب.

 

تستمر الحاجة فاطمة بسرد ما لديها من حكايات عن بلدها الذي هاجرت منه وعن حسرتها لترك أراضيها وعن محاولاتها تذكير الأجيال بما فعله الأنجليز واليهود فتقول ،                           

توفي والداها مبكرا فقد مرضت أمها وماتت على إثر حالة إجهاض وما لبث والدها أن لحق بها بعد حزن شديد اصابه و"عمى قماره" وفي غفلة منه التف عليه قشاط ماتور الماء وقتله..تركاها وشقيقها محمد وحيدين الاّ من رحمة الله. 

محمد، الله يرحمه، كان أصغر منها وصار كل عالمها  وكل أهلها ..الأخ والأب والصديق والرفيق وكل أقاربها..تلتفت إلى ولدها وتقول متحسرة:" يا سلام لو شفته يا إسماعيل ، ولد محبوب جميل ولطيف وحنون بلا حدود لا يتحمل القسوة حتى على الكلاب..يشفق على كل شيء قلبه كبير ..كبير ..الله يرحمه".

يحاول إسماعيل إراحتها فيقول :"مات شهيدا يا أمي ..هو الآن في الجنة إن شاء الله".

تصفه بالقول ، كان سعيدا دائما مثل الملائكة..ينجزأعماله بسرعه..أحيانا تناديه يا سعيد.. ورغم يُتمهما لم تفارق الإبتسامة وجهه, يحرص عليها كرجل في الخمسين وطالما أنها بخير فهو بخير أيضا.. يحاول مواساتها والوقوف الى جانبها ويرفض أن يراها حزينة أو مقهورة .. أشعرها أنه رجلها الذي يحافظ عليها يحميها ويرفه عنها ..بدأ العمل طفلا يسرح بأغنام العائلة يحلبها ويبيع حليبها ويبعدها عن أي عمل مرهق..والله يسرّ له أولاد الحلال.

"أنا الرجل هنا .. مش عاجبك يا أختي"..أضحك وأعانده، فالعمل كثير والمسؤوليات ضخمة..قطيع من الأغنام بالمئات إضافة الى حرث الأرض وبذرها وزراعتها.

في الماضي, النساء كن قويات، يعملن كالرجال في أصعب الأعمال وليس كهذه الأيام يا دوب الواحدة تطبخ طبختها وتنظف بيتها حتى تشعر بالتعب والإرهاق..قال يا سيدي تعبانة.. معذورات، الله يكون بعونهن, محرومات من الغذاء النظيف والحليب الطازج والهواء النقي العليل الخالي من دخنة السيارات والغبرة أما نحن فقد تمتعنا بالكثير وكل شيء متوفر لنا ما جعلنا عفيات وصحتنا بومب..لا نتعب ولا نشعر بالكسل ..نتسابق على من تعمل أكثر وتظهر براعتها ونشاطها وقوتها ..يقولون عنا، رجّاليات..ونفتخر بهذه التسمية.

 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق