شهيد من الخضيرة (8)
- كان في ذلك الوقت في حوالي السادسة عشرة من العمر. شايفين كيف كان شبابنا في الزمانات، رجال من أول عمرهم، وليس كشباب هذه الأيام مايصين مدلعين ينامون للظهر..قال تعبانين..ماذا يتعبهم وهم يعيشون في بيوت مكيفة نظيفة، ويذهبون الى مدارسهم في باصات جديدة..يأكلون ويشربون ويأخذون مصاريف للمدارس أكثر من مصروف عائلة بكاملها والله لا أعرف ماذا يتعبهم..شو هالشباب هذا ..هدول بدهم يرجعّوا فلسطين!!..شو هالحكي..فلسطين بدها رجال أقوياء على قد حالهم، يتحملون المصاعب لا يعرفون التعب ولا الملل ..فلسطين مهرها غالي..بدها رجال.
تحدثت بانفعال وهل تنتقد شباب الزمن الحاضر المايصين المدلعين؛ ثم سرحت من جديد وبدأت تزيد في روايتها عن ذكرياتها مع أخيها الشهيد:
- طبعا كله بإرادة الله يا أختي ..طبعا.
كان يعرف قطيع أغنامنا بالواحدة يحفظها عن ظهر قلب ينهض في عز الليل يتفقدها ويغني لها ..يعيب على أحد أعمامي الذي يربي البقر .."شوفي كيف البقرة ..هِرشة يا شيخة الواحد يحتار أين يبيتها.. بدها غرفة بحالها.. بليدة ثقيلة الحركة.. كأنها تمشي على بيض.." فترد عليه : كله خير من عند ربنا الحمد لله على ما أعطانا.
بعد وقت قصير، أخبرها أنه سيوسع الحظيرة لأن الأغنام ستتوالد بكثرة فقد حسّن نوعية غذائها ورعاها في مناطق بعيدة وشمسها وفحصها واحدة واحدة وعالج المعتل منها .." صديقي هذا العجوز ما أحسنه وعدني أن يجعلني أكبر مربي أغنام في الخضيرة وما حولها..الله يبارك فيه..يعرف الكثير عن هذا الموضوع.. ويحب أن يرى الناس تعتني بها.. محترم ومتعلم يقرأ ويكتب وعنده خبرة نادرة في تربية المواشي..كما يفهم بالزراعة وبأنواع السماد والــِزِبل ويفهم كل شيء..يقول أنه سافر إلى تركيا وألمانيا وتعلم منهم الكثير ويريد أن يجعلني مثله. .. لا بد أن نعتني بهذه الحيوانات التي تعطينا الكثير وتوفر لنا مقومات الحياة ..على الأقل نبني لها أماكن مناسبة"..بارك الله فيه ..رجل مخلص..والله لو كنت أبنه ما اهتم بي هكذا".
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي بكاء المشانق