شهيد من الخضيرة (7)
عادت الى قصة أخيها ، فبدأت بتأكيد اسمه "محمد عبد
مصطفى الضميري ".. أخي محمد وزملائه سبقوا هؤلاء الأبطال، الإنجليز أرادوا
تربية الشعب الفلسطيني بشنقهم؛ لكن خاب أملهم ..استمرت المقاومة. جريمة شنق
الأبطال الثلاثة المعنيين بالأغنية جاءت بعد جريمة شنق أخي بسنوات وخلال تلك الفترة
وبعدها تم شنق عددا كبيرا من الأبطال.. كل يوم كنا نسمع عن شنق شاب أو أكثر شنقوا
الشهداء بالجملة..الله يلعنهم".
تعود الحاجة فاطمة للتحدث عن خبرتها ومواشيها التي
تفتقدها وعن أخيها خبير الأغنام والحلال فتقول:
- هذه الحيوانات مثل البشر، تعرف طريقها وبيوتها
وأصحابها وأطفالها وأمهاتها. ما الفرق بينها وبيننا؛ سوى أنها تمشي على أربع..المواشي
بالذت تفهم أكثر من بني آدم في رأيي..في الربيع تسعد العين لرؤية الأمهات تركض
وخلفها الرضع تتسابق معها او تدس حالها بين أرجلها تتناول أثداءها المكتنزة
بالحليب الدسم .. سمينة جميلة بيضاء كالثلج أو بنية اللون ، تتراقص إليتها المشدودة
وراء ظهورها.
تتوقف الحاجة فاطمة لتحرك وجهها وفمها ويديها بتعجب
ولتحتج على تسمية غنم تلك البلاد بهذه التسمية وتعتقد أنها تشبه الكلاب
"معضّمة"..ثم تضيف :" إحنا الغنم عندنا ويييييين..عن غنم هذه
البلاد التي لا تجد ما تأكله سوى السموم والزبايل والأوراق وأكياس القمامة السوداء..أحزن
عندما أرى الرعيان يسوقونها..أين يذهبون بها لا عشب ولا شجر ولا ماء ..ماذا ترعى المسكينة..أرض
قاحلة لماذا يربون الأغنام "ويستقلدوها" في هالبيئة ؟ والله حرام عليهم
يربوا غنم في هالبلاد.. طيب لحمها كيف يكون؟ هل له طعم اللحم الذي نعرفه.. والله
ما أصدق..مش معقول..خليهم يجيبوا اللحمة من بلاد بره أحسن لهم..بلا تربية غنم بلا
هم".
يرد ولدها : الله بيرزقها يا أمي ..وما من دابة على
الأرض إلا على الله رزقها.
- والنعم
بالله. مواشينا تغذت بأحسن الأعشاب.. حشيش وأعشاب فلسطين وتربتها الخصبة
..تعرفونها ..لا..لا تعرفونها فأنتم لم تدخلوها ولم تعيشوا فيها ..مساكين راحت
عليكم ..لكنكم تسمعون عنها..الله يطّول أعماركم.. وترجعوا بلادكم. أما في البلاد فالماعز
إما بيضاء ناصعة أو بنية مرقطة بالأبيض
يقال لها الشامية.. ومنها الأسود ايضا الواحدة منها قد الغزال الصغير.
تتحدث وتصف بانفعال وحماس.
"هل تعلمين يا فاطمة يا أختي, أن أغنامنا ولدت هذا
العام أكثر ضعفين من العام الماضي, الحمد لله طرح فيها البركة..قالها أخي محمد وهو
يمسح يديه بعد ان حلب إحدى الغنمات وقدم حليبها لولدي هذا إسماعيل أبو عماد الذي
أمامكم... تعــلمّ من أحد الرعاة الذين ألتقاهم في الخلاء الكثير جدا.. أخي محمد هذا
الذي شنقه الإنجليز..تعود لتؤكد اسمه من جديد"محمد عبد مصطفى الضميري..أضافت
" يخرب بيتهم ينتقون الفالح مثل عزرائيل..".
والله .. ما شاء الله يا أخي، ماذا فعلت لتزيدها ؟ سألته..وأنا
أستمع اليه باهتمام فقد أذهلني ذكاؤه.
شرح لها كيف استطاع أن يزيد أعدادها وكيف تعــّلم أن
يحافظ على نظافتها وتغذيتها ومعالجة المريضة منها .. يحدثها عن أشياء لم تسمعها من
قبل ..فالبدو يتوارثون العناية بالأغنام دون سؤال، يعتمدون على الخبرة التي
استقوها ممن سبقهم ، فكما رأوا آباءهم يفعلون يقلدونهم ..لكن محمد أراد أن يكون
شيئا مختلفا ..يعطيها معلومات عن أنواع الأغنام والماعز، يريد أن يعلمها..
"الله يرحمه ويجعل مثواه الجنة..طبعا الجنة فالشهيد
يذهب الى الجنة..مش هيك يا إسماعيل" .
يرد: طبعا..طبعا.
تضيف:
ويضيف لها الكثير من المعلومات عن صوفها ولون عيونها، وكيف
تتعرف على السليمة منها بالضغط على ظهرها وتحسس إليتها وتتعرف على الحامل من غيرها،
ويدلها كيف تتعرف أعمارها من أسنانها، تستغرب من تفضيله المعز على غيرها من الحلال؟.
فيرد:
- أحب المعز
لنشاطها ورقة جسدها وسرعة حركتها ورشاقتها..يا ست أختي.
- لكنها
مخربة..مثل السعادين، لا تترك شيئا وراءها. تتسلق الشجرة الى أعلى غصن ولا تتركها
إلا بعد أن تشلحها من أوراقها وتتركها عُصبان عارية..!
- يمكن لأنها
تشعر أنها حيوان مدلل وسعيد..وتستحق ما لا يستحقه غيرها.
يحب المعز ويتغنى بجمالها طيلة الوقت:
" لحمها طري قليل الدهن، جبنها غالي وحليبها أحسن غذاء
للأطفال؛ عندما أخلّف سأرضعهم من حليب المعز حتى ينشأوا مثلها سريعي الحركة
نشيطين.. والله يا أختي الماعز حيوان إقتصادي لا يكلف كثيرا لأنها تأكل أي شيء..
وكل ما فيها مفيد..شايفة زرعاتك الجميلات
أليس ذلك بسبب روث معزاتي يا حلوة....مش مقنفة ولا متكبرة..مثل غنماتك..وين ما كان
نبيتها تنام ليس لها طلبات..في المستقبل سأقتني المئات منها.
- قل ان شاء
الله. طيب ما الخرفان ايضا لحمها طري وحليبها منيح للأطفال والبقر كمان.
- صحيح بس
مدهنه..
أضحك من كل قلبي وأنا أستمع
اليه "يعني ناوي تتزوج يا محمد" يخجل من سؤالي ويشيح بوجهه عني..