شهيد من الخضيرة (5)
تــُـكمـِل:
في الأصل، نحن بدو مضاربنا مستقرة على أرضنا ؛ يعني لسنا رُحَلا ولانذهب وراء الحلال للرعي ..بل نستأجرمن يرعاها يذهبون بها في الصباح ويعودون في المساء .. ورثنا عن آبائنا أرضا شاسعة وبساتين وبيارات وآبار ماء تشغلها الماتورات..آباؤنا وأجدادنا؛ فضلوا البقاء على عيشة البداوة والخيم، إلاّ من بعض الناس الذين بنوا بيوتا من الحجر وسكنوها, فنحن أصحاب حلال وماشية كثيرة..كثيرة جدا..والله عندما كانت تعود من المراعي ، كنا نسمع غثاءها من مسافة بعيد.."تشيرالحاجة فاطمة بيدها اليمنى إلى أقصى ما تستطيع دلالة على بعد المسافة.." نسمع طرقات أرجلها قبل أن نراها ونشم رائحتها الزكية من مسافة كيلو..أغنام وماعز تغلق الرؤيا وتثير الغبار التي تحجب رؤيتها..يسوقها أبناء العشيرة والرعاة تتراكض الى حيث الحظائر الفسيحة التي تتسع لمئات منها.
فجأة احمرّ وجه الحاجة فاطمة وأخذت تنوح وتتشغنف وغرقت بالدموع فنهض ولدها أبو عماد واحتضنها وقبـّـل رأسها وقال: يا أمي، الا تملين من رواية قصة الشهيد.
والله يا بني لا أمل أبدا.. يجب أن يعرف جيلكم وجيل أبناؤكم ماذا فعل الإنجليز بنا.. ما لازم تذهب جرائمهم بحقنا هكذا..قصص حقيقية نرويها لا نؤلفها ولا نلفقها..وبعدين يا إسماعيل هذا تاريخ بلادك..ألا تريد أن تعرفه.
بل أريد..أريد يا أمي ..لكنك تتألمين كثيرا..صمت قليلا ثم أضاف : خلاص..خلاص، تفضلي إحكي للشباب :
قدرنا يا ولدي ..هل يستطيع الإنسان أن يهرب من قدره.
ابتسم ثانية ثم أردف" تفضلي..أكملي".
شدت حالة الحاجة فاطمة انتباه الشابان ورغبا في سماع ما لديها.. خصوصا عندما بدأت تغني وتنوح :
من سجن عكا طلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حـــجازي
جازي عليهم يا رب جازي المندوب السامي وربعه عموما
محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي عز الذخـيرة
توقفت قليلا، مسحت دموعها ووجهها الذي انقلب أحمر كحبة تفاح طازجة. صلّت على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم- ثم عادت الى الحديث عن ذكرياتها.. مع بعض أهالي الشهداء لتلك الفترة والتي كانت دائما تبحث عنهم لعل ذكرياتهم تواسيها على مصابها، فتروي قصة سمعتها من الدكتورة الهام أبو مشرف من مدينة اللد حيث تقول أن الدكتورة الهام أخبرتها ان عمها المناضل البطل يوسف أحمد أبو مشرف وستة عشر من زملائه الأبطال أعدموا في سجن عكا مرة واحدة عام 36 19 تعتقد أنه كان ذلك في شهر آب..وتروي الحاجة فاطمة عن الشهيد "أبو مشرف "ما سمعته من ابنة أخيه بانه التحق في صفوف المجاهدين وهو في العشرين من عمره كان شابا قوي البنية مقاتلا شرسا لا يستطيع أحد التغلب عليه..مهيبا ذا شخصية قوية عندما يسير تهتز الأرض من تحت قدميه.. وكان يعمل في الزراعة في بيارات والده.. تروي الدكتورة أنه كان لعمها الشهيد أربعة أشقاء كان هو أكبرهم..وعندما تم إعدامه كان في السابعة والعشرين من عمره..وكان متزوجا وله طفل واحد..تعرَضت عائلة " أبو مشرف " كغيرها من العائلات الفلسطينية لألوان المضايقات والعذاب بسبب جهاد أبنائها . من ذلك أن جنودا من الأنجليز تنكروا يوما باللباس الفلسطيني، تماما كما يفعل اليهود اليود..سمعتم عمن يسمون بالمستعربين طبعا.. الذين يهاجمون الشباب ..يلبسون الحطة والعقال ويتكلمون مثلنا ويدورون في شوارع مدننا وقرانا دون خوف ..يترصدون المناضلين ويلقون القبض عليهم أو قتلهم..الله لا يوفقهم البعدا .. الذي يخطر على بالهم لا يخطر على بال الشياطين.. المهم، ذهبوا إلى البيارة للبحث عنه وسألوا الحارس عنه ، ولما لم يجدوا منه أي دليل يرشدهم إليه أشبعوه الحارس ضرباً وانصرفوا . وفي يوم من الأيام كانت العائلة نائمة في أمان الله فهاجمتها قوات إنجليزية واعتقلوا والده وإخوانه ، وأخرجوا النساء والأطفال إلى بيت الجيران ثم قاموا بإحراقه.. وقيل أنهم وعندما أقلقهم جهاده طلبوا من والده البحث عنه والمجيء به الى سلطات الإحتلال وأعطوه كتابا يوصي بعدم التعرض اليه الى أن ينتهي من مهمته ويأتيهم بولده..لكنه رفض وأحرق الكتاب.
ولكن ويا للأسف ما عجزعنه الانجليز تحقق على أيدي الخائنين والعملاء..الذين كما قال لي أخي الشهيد محمد أنهم " يعشعشون بين أواعينا ومنا وفينا".. وشى به أحد الجواسيس من أقاربه فقامت قوات ضخمة من الإنجليز الجبناء بتطويق المكان الذي كان يجتمع به مع رفاقه المناضلين يستمعون الى الراديو الذي كان وسيلة الإعلام الوحيدة ذلك الوقت.. واعتقلوا كل من كان بداخله وحكم عليهم بالإعدام بعد محاكمة هزلية لم تدم طويلا..أرواح أبطالنا كانت رخيصة عندهم..الله ينتقم منهم.
المراجع
الكاتبة آسيا عبدالهادي
التصانيف
روايات آسيا عبدالهادي بكاء المشانق