شهيد من الخضيرة (4)
في تلك الأيام، انتشرت قصة مؤامرة وعد بلفور وصار الناس يخافون من أي شخص أجنبي يرونه.. بَس للأسف، كانت الصدمة كبيرة من هذا الشخص الذي عاش بيننا وتعاملنا معه كواحد منا..اشتغلنا معه وأكلنا مع بعض وتزاورنا.. واستقبلناه في بيوتنا وشاركناه أفراحه وأتراحه. وعندما توفي ولده بمرض غريب نحن من قام بواجبات العزاء ونحن من طبخ واستقبل المعزين ومن وقف معه طول فترة الحداد..هكذا قال جدي.
كانت قضية بيع الأرض لليهود مسألة حياة أو موت، لا يجرؤ أحد على القيام بها مهما كان في حالة فقر أو شِدة. لكن هذا رجل غريب عن فلسطين لم يهمه سوى المال. 
 
يتهموننا ببيع أراضينا، ما فشروا، والله ما بعنا قيراط واحد ، الغرباء الذين جاؤوا من هنا وهناك هم الذين باعوا أراضيهم التي عاشوا فيها وأكلوا وشربوا واغتنوا من خيراتها وفي أول حَـزّة باعوها وتركوها لليهود.. ماذا يمكننا ان نفعل فاليهود كانوا محميين من الإنجليز يقدمون لهم السلاح والمال ويا ويل من يقربهم أو يؤذيهم..
تحاول تذكّر اسم المستعمر فلا تسعفها الذاكرة ، تلتفت لولدها إسماعيل مستنجدة به: قول معي يا إسماعيل شو كان إسم الملعون؟
اسمه يهوشع حنكين وصل عام 1890 وكان من أوائل من استعمروا في فلسطين تقريبا..الخضيرة إسم على مسمى، بعد الهجرة، حولوها مدينة يهودية و أبدلوا اسمها الى حديرا، 90%  من سكانها الحاليين للأسف يهود . قال إسماعيل.
 
تتنهد وتضيف: ضاعت!! ضاعت!! كما ضاعت كل فلسطين....طقسها الجميل وقربها الى البحر جعلها مرغوبة من المستعمرين اليهود ..الخضيرة أجمل بقاع الدنيا،اضافة الى خضرتها وطقسها البديع صيفا وشتاء تسقي أرضها عين ماء دافقة .. إيـــه يا بنتي : تتنهد الحاجة فاطمه  ثم تضيف ماذا أقول لك: خضرة دائمة  طوال العام ومواسم زراعة مستمرة ..في الشتاء نزرع شيء وفي الربيع نزرع شيء وفي الصيف نزرع شيء..طول العام مشغولين نزرع ونقطف..نزرع ونقطف وليس كهذه الأراضي القاحلة الجرداء، لا ماء ولا زريعة فرحانين بشوية هالشَـكِل إللي على الشارع طول النهارمشغولين فيها يسقوها ويهفهفوا عليها..سبحان الله يخرّب بلاد ليعمّر غيرها.
يفسر إسماعيل للمهندسين معنى كلمة  شَكِل..الوالدة تقصد الزهور المزروعة في الشارع تحت الأشجار..كانوا يسمونه شكل وهو الأزهار الرقيقة وهي تختلف عن الورد..ثم يضيف.
 
والله يا والدتي المولى دائما يعمّر لكن بني البشر هم الذين يخربون..قال أبو عماد.
أنا لا أعرف يا ولدي هكذا يقول الناس..فماذا كان سيأتي بك الى هنا أنت وأمثالك وهؤلاء الشباب  لو لم يطردونا  من فلسطين ..هل هناك من يقبل أن يترك الجنة ويعيش في النار.
والله معك حق. رد المهندس ثامر.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق