شهيد من الخضيرة 
 
في مساء كل يوم، وببرنامج يومي ، بعد أذان العصر، وقبيل آذان المغرب، تعبر الشارع. تسير بهدوء، تتمتم بهدوء، لا تلتفت يمينا ولا يسارا، منهمكة في خطوات متناسقة. تغيب ساعة.. ساعتين، ثم تعود من حيث أتت. أحيانا تغيّر طريقها وتدور من خلف البنايات آخر الشارع لتصل الى المكان الذي انطلقت منه.
 
قصيرة القامة، تلبس ثوبا أسودا؛ بقليل جدا من التطريز الغامق على جانبيه، تغطي شعرها بشاش أبيض ناصع مكوي ومرتب كأنها اشترته في ذات اليوم .. تعدو على عجل وكأنها في مهمة 
لا تحتمل التأخير.. يخيل لمن يتابعها؛ أنها توصل رسالة يومية لشخص ما.. وربما شراء غرض أو دواء أو رياضة المشي ؛ وأي رياضة والحر شديد والغبار تملأ الأجواء.. غير معقول.. فأمثال هذه السيدة لا تعرف هكذا رياضات..
أين تذهب إذن..؟.
 لم يسأل أحد عابرة السبيل هذه عن طبيعة مشواريها التي باتت توقيتا لأهل الحي ..كل ما في الأمر تعليقات..جاءت السيدة ..ها هي تعبر الشارع ..تبدو حزينة..ربما تعمل بوصية طبيب.. كم الساعة الآن ؟ اقتربت من الخامسة ؛ فقد مرت السيدة قبل قليل.
 
الطريق جميل واسع، نظيف ومعبد، والجزيزة الوسطية مرتفعة قليلا عن أرضيته بحواف بارزة، زُرعت بشجيرات باسقة، تحيط أسفل ساقها نباتات حولية صغيرة؛ مزهرة بألوان زاهية متعددة تضفي منظرا رائعا ممتدا على طول الطريق، يأتي صهريج منذ الصباح فينزل أحد العمال ويسحب بربيشا أسودا عريضا وطويلا مثبت على قمة الصهريج فيرشها بالماء العذب فيما يجلس سائق أسمر اللون مشعث الشعريدخن سيجارة.
 
يحتل مشروع لإسكان بعض موظفي الدولة، جانبا من الشارع. أمامه في الجهة المقابلة، أرض واسعة خالية من المباني تماما، إلاّ من بعض العمال والمهندسين الذين يقومون بإنشاء محوّل ضخم للكهرباء بعد أن سيّجوا حوله، وتبدو مهمتهم في آخرها، يجتهدون لتسليم المشروع قبل الموعد المحدد لنيل مكافأة.
 
المهندس ثامر أحد المهندسين لاحظ السيدة، شدّه منظرها، يقف مراقبا الى أن تتوارى بين العمارات..عندما أدار ظهره ليكمل عمله، وجد زميلته المهندسة رحاب تنظرها هي ايضا.
هل تلاحظينها؟.
نعم ..تعبر يوميا في نفس التوقيت منذ مدة ..صمتت ثم أضافت: منذ عدة شهور..باتت أحد مظاهر الحي ..أجابت المهندسة رحاب.
أشعرأن وراءها حكاية. قال المهندس ثامر .
أظن ذلك أنا أيضا، أجابت المهندسة رحاب، ثم أكملت والله الناس أسرار يا حضرة المهندس..
تبدو وحيدة ومهمومة.. الله يساعدها..ربما فقدت عزيزا أو تعاني من مشكلة ..توقفت قليلا ثم نظرت إلية وأكملت "ما رأيك أن نستضيفها غدا..".
"وهل توافق!!".. تساءل ثامر..ثم أردف، حاولت التحدث إليها سابقا فتعدتني ولم تجب ولم تسمع ما أقول..خيّل إلي أنها حتى لم ترني ..المهندس ثامر الذي انشغل بأمرها..ربما شبهها بأمه أو خالته أو بإحدى معارفه. 
 
بعد طول مراقبة وملاحظة وحوار مع زميلته عما يشغل السيدة، فكر أن يتبعها ..من بعيد لبعيد ..مشت..ومشت..ومشت وهو وراءها الى أن فقد القدرة على إكمال مهمته ..فقفل راجعا الى مكان عمله .. عاود الكرة في اليوم التالي ولكن بسيارته الفولكس واجن الصغيرة البيضاء اللون..يسير على بعد أمتار منها متمهلا وبهدوء حتى لا يضايقها.. إنتهى مشوارها فلفـّت من خلف الشارع إلى أن دخلت بناية جميلة حديثة الطراز.. أوقف سيارته وسار على قدميه.
هل تسكن هذه الخالة هنا؟ سأل المهندس ثامر الحارس الواقف أمام باب البناية.
نعم ..ولا .. هي في زيارة لولدها أبو عماد منذ ستة أشهر تقريبا..يسكن الطابق الثاني.رد الحارس.
وأين يعمل أبو عماد؟ سأل المهندس ثامر.
مـّـساحا في وزارة الأشغال العامة .. أجاب الحارس.. ثم أضاف: "لماذا تسأل .
أشبهها بإحدى قريباتي..رد المهندس.
سبحان الله، معظم نساء جيلها ومواطناتها يتشابهن باللباس والحجم والهيئة. رد الحارس.
إهتمام الرجل المحترم بالمرأة المسنة شجع الحارس بإعطائه بعض المعلومات.
أخبرني حفيدها عماد أنها ترغب العودة إلى بلدها لكن والده يرفض..يريد إبقاءها عنده..تشعر ببعض الإنزعاج من دوشة الأحفاد وطول الساعات وعدم وجود مَرافق لكبار السن أمثالها؛ فتخرج في نزهة يومية لتذهب عنها الملل ..أخبرني ايضا؛ أنها عانت مأساة في صغرها لم تنسها حتى الآن؛ لكنه لم يخبرني عما كانت المأساة..الله يعين الناس، كل واحد وله مشاكله.
 

المراجع

الكاتبة آسيا عبدالهادي

التصانيف

روايات   آسيا عبدالهادي   بكاء المشانق