فكرة الهدم البنّاء ليست جديدة. فقد ذكرها كل من كارل ماركس وانجلز في المانفستو الشيوعي الذي أصدراه العام (1848). وانتقدا فيه النظام الرأسمالي بأنه يسعى دائماً إلى خلق طلب على سلع وخدمات جديدة ما يؤدي إلى جعل السلع القديمة بالية غير ذات قيمة.
واعتبرا أن في نشر قيم الاستهلاك تلبية لطمع الرأسماليين لكي يحققوا أعلى نسب ممكنة من الأرباح. وكرر كارل ماركس هذه الفكرة بتوسع في كتابه "رأس المال". ورد عليهما الاقتصادي النمساوي "جوزيف شميتز" في كتابه التنمية الاقتصادية بعبارة "التهديم البنّاء" الذي يعكس القدرات التكنولوجية والتجديدية الفائقة للرأسماليين، مبيناً فوائد هذه العملية على الاقتصاد.
ولقد عدت لهذه الأفكار لأحلل ما نراه في الأردن، فهل هذا التغيير السريع الذي نراه في اسلوب الحياة وحراكها، وفي الأنظمة، والحكومات، والبرلمانات، والمؤسسات، ومكونات القبائل والعشائر، وتغير أنماط الاستهلاك، وتغير المعايير والمرجعيات الخلقية يعكس ظاهرة إيجابية أم ظاهرة سلبية. وهل هو انعكاس سلبي كما يراه ماركس وانجلز، أم انه دليل حيوية وعافية كما يراها جوزيف شمبيتر.
وتأملت في نظرية دورة الحياة الطبيعية التي أكدتها الكتب السماوية. وفي القرآن الكريم آيات تصف دورة الحياة، وبخاصة حياة الإنسان الذي يبدأ نطفة وينتهي به الأمر طفلاً حتى يؤول كهلاً، إلى أن ينتهي إلى شيخ قد لا يعلم من بعد علم شيئاً.
وقد طبق ابن خلدون هذه النظرية في دراسته لتاريخ الدول. وتعلمنا كذلك من علم الأحياء أن الميتابولزم أو ما يسمى بالعربية (الايض)، وهي عملية بناء الخلايا وهدمها ضروري لخلق خلايا جديدة، وإطلاق الطاقة في الكائنات الحية. وهو نفس المبدأ الذي حدثنا عنه القرآن الذي يؤكد أن الله "يخلق الحي من الميت، ويخلق الميت من الحي، ويرزق من يشاء بغير حساب".
فهل ما نشهده الآن في الأردن هو عملية أيض طبيعية، أم أنها حالة من الفوضى التي لا نتحكم فيها. إن الموضوع يتطلب دراسة أعمق من أن تغطى هنا. ولكن هذا لا يمنع من إثارة بعض القضايا التي تستحق التأمل والتدبر.
هل نمط التغيير سواء الصحي منه أو غير الصحي، والذي نشهده في الأردن بفعل ظروف خارجة عن إرادتنا، وظروف من صنعنا، أو بموجب أفعال إرادية وأخرى لا إرادية قد أربك كثيراً من اناس، وتركهم غير قادرين على التواؤم والتكيف مع المستجدات؟ هل بات الناس يخافون من الحاضر والمستقبل فصاروا يهجرون إلى الماضي مستفيئين بظلاله بدلاً من مواجهة الحاضر الحار والمستقبل الغامض؟ هل بات يشعر المواطن أنه عديم الوزن في زمن ذابت فيه الجاذبية، ولم يعد أحد قادراً على الثبات على أديم الأرض فصار يطفو فوقها حيث لا حول له ولا قوة؟
لقد علمونا أن الأرض كروية، ولكنها في واقع الحال مسطحة. أليس هذا ما تعلمناه في انتقالنا إلى دنيا الهواتف النقالة، والشبكات الإجتماعية، والمجتمعات الافتراضية؟ أليس هذا معكوساً في أنماطنا الاستهلاكية، من مطعم ولباس واعراس وسواقة سيارات. أليس هذا صحيحاً في انتقالنا يومياً من الأردن إلى الخارج سياحة أو عملاً، أو إقامة، وقدوم الكثيرين إلينا. ألم يؤد انهيار الأسواق في أميركا إلى انهيار أسواق في معظم دول العالم؟ العالم الذي نعيش فيه مسطح، ويؤثر على بعضه البعض. فماذا أعددنا له؟ هل تعليمنا وتدريبنا لأولادنا يهيئهم لزمان غير زماننا؟ هل تعلمنا لغة الإنتاج والمنافسة والاتقان والبحث الجاد؟ هل بنينا مؤسسات عصرية قادرة على مواجهة التغيير، وتوليفه لصالحنا، وتوجيهه بحيث نستطيع الاستمرار والنمو؟
آن لنا أن نواجه المستقبل بأكثر من القلق والحيرة وأحياناً التنفيس بصوت عال!!!
بقلم: جواد العناني.
المراجع
ammanxchange.com
التصانيف
صحافة جواد العناني حنان كامل الشيخ الآداب