تلك التي لم أعد أراها إلا في ذاكرتي، صوراً بالألوان القديمة، التي يغلب الصّفار عليها.. هل صدفة أن المرارة صفراوّية؟!
اشتقت لفلسطين التي كنت أعرفها .. خريطة مذهّبة في سلسلة خفيفة، يتحالى بها عنق الصبية الممعنة في الإخلاص للنشيد الوطني، وللفتى الذي لملم قروش والدته ليشتري بها لمحبوبته في ذكرى يوم الأرض..
اشتقت للفحة الأصلية، والتي كان لها صولجان العزّة في أقطار، تحسد وشاح أرض محتلّة على نفاذ حكمه في أرض الله الواسعة .. هل تذكرون الجملة الأثيرة، التي كانت تتردد في كل مناسبة ومن دون مناسبة "حق العودة وتقرير المصير وتنفيذ قراري 242 و338".. ما أحلاها!!
وهل تذكرون فرقة العاشقين، وعود اللوز الأخضر، الذي أقسم أعضاء الفرقة أن يزرعوه في الدّار؟ بلاش... صور الشهداء، التي كانت أكبر سبب للخلاف الفلسطيني الفلسطيني هذا يقول لنا وذاك يقول لنا.. فرق الدّبكة الشعبية، التي أزهرت من لا شيء، اللهم واحد يجيد العزف على العود، وآخر يعرف كيف يعلّم القفز في الهواء، وأخرى "مادياتها كويسة" تشتري طعام الغداء للجميع!!
هذه فلسطين التي اشتقت لها، وأحن إليها، وأتوق لأن أسمع أخبارها...فلسطين ذات القلب الطيّب، والعقل الطيّب، ..غسان كنفاني، فدوى طوقان، أحمد قعبور، سميح القاسم، معين بسيسو، توفيق زيّاد ..فلسطين رسائل الحب والحرب ..فاطمة برناوي، ليلى خالد، يحيى عيّاش أبوجهاد.. اشتقت جداً لفلسطين..من ينسى رسائل الشوق وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلّة؟ من ينسى حملات التبرّع بالمال، والذّهب، والأغطية، والملابس، والطّعام التي كان نصفها يصل، ونصفها يضلّ في الطريق؟!
من يتذكر معي كيف كانت أبجديات الفساد الفلسطيني "زمان" مرتبطة بمفردة واحدة ... تونس!! كان كلاماً غامضاً يصعب التكهّن بحقيقته أو تخيّل جرأته!!
ومن يتذكر كيف أصبنا بالهلع وتصلّب الشرايين، عندما استضافت قناة الجزيرة أول مسؤول من إسرائيل على هوائها مباشرة!!
اشتقت لفلسطين ... لمعارض الصوّر البدائية، والتي كانت تشبه صحف الحائط المدرسية .. للكتيبات السّرية والاجتماعات التي كانت تبدو حقيقية!! لدمعة أهل الخليج، ومصر، والمغرب العربي، التي تترقرق تلقائياً، عند الالتقاء بأي فلسطيني، قادم من الأرض المحتلة...اشتقت لأن اسمّيها "الداخل" حيث إسرائيل احتلال لا محالة .. ماذا حل بفلسطين التي أعرف؟
أي جدار هذا الذي ألهانا أعواماً، ونحن نحطّم فيه، ونقفز فوقه، ونطبع عليه أصابعنا بالدهان.. والجدار الجدّي خلقناه من داخل دواخلنا .. من لوثتنا بسحر السلطة، وتلوّثنا بالاحتباس الحضاري الذي صدّقنا أننا فوقه منذ عقود ...جدار طويلٌ لولبي رمادي مقيت، يفصل الأرض عن السماء، ويحصرنا حتى ليصبح الوطن بحجم قبر محمود درويش!! اشتقت لفلسطين ولإشارة النصر المعلّقة على أسطح البيوت .. لحنظلة الذي بدد ظلام الرحلة بلونيه الأبيض والأسود ...وأتذكره على خجل ..كيف كان ناجي سيرسمه هذه الأيام..هل كان سيبقى على ظهره بوجوهنا، أم تراه كان سيعصب عينيه؛ حتى لا يشهد خيبات وطنه، عورة تلو العورة.
درويش...لو تعرف كم اشتقت لفلسطين فيك .. اسمح لي أن اتمدد إلى جانب قبرك .. أشتم رائحة خبز أمك، وأنتظر قهوتك التي ستغليها على مهل .. بينما سأبشرك بنبوءتك التي تحققت بوطن صدق أنه استثناء ...ألست القائل:"هل كان علينا أن نسقط من علوّ شاهق ونرى دمنا على أيدينا لندرك أننا لسنا ملائكة كما كنا نظن؟! وهل كان علينا أيضاً، أن نكشف عوراتنا على الملأ؛ كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟ كم كذّبنا حين قلنا...نحن استثناء!"
اشتقت لفلسطين فمن اشتاق لها معي؟
بقلم: حنان كامل الشيخ.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب