والدي العزيز.. أسعد الله صباحك، بالخير الذي علمتني وربيتني عليه أنا وإخوتي .. هل قلت إخوتي؟ مع أنني أقسمت البارحة وأنا في طريق عودتي من المحكمة، ألا أتلفظ بهذه الكلمة ما حييت.. لكنها زلة لسان بحكم العادة، كما اكتشفت أنني كنت أختهم بحكم العادة!
لا تستغرب من اللغة المجحفة التي بدأت رائحتها تنفذ إليك، ولا تستبق الحكم على أحد كما عودتنا.
ما بي ألتف وأدور حول الكلمات؟ ما بي لا أعرف كيف أدخل إليك وأطرق بابك، كما كنت أفعل كلما ضاقت الأحوال بي.. أمعقول أن غياب وجهك عن وجهي يقطع الصوت على كلينا؟ لا أسمعك الآن يا أبي وأنت ترد علي، ولا أنت عدت تسمعني .. ولست وحدك .. فبعد موتك لم يعد يسمع صوتي أحد! لكنني أكتب إليك اليوم؛ لأنني سأختنق بحسرتي إن لم أتكلم وأريح قلبي.. نعم مايزال زوجي قاعدا بلا عمل، بعد أن طرق كل الأبواب، حاملا ملفه الشخصي المشرف، وتاريخا مهنيا طويلا، قضاه في بلاد لم ترحم سنيّ شبابه، التي أفناها عندهم، وحجزت له على أول طائرة تعود بضحايا (التفنيش) بسبب الأزمة العالمية!
ابني طلال لم يتخرج بعد، فما تزال سنة دراسية كاملة بانتظاره، بينما حبيبة قلبك تمارا تستعد هذه الأيام لامتحانات الفصل الثاني .. أكاد أتلمس دعواتك لها من على صورتكما التي لا تغادر محفظتها .. هي أيضا تدعو لك، وتقرأ لروحك الفاتحة كل صباح، آه ما أقسى أن تخرج الكلمات الصعبة من ثنايا الاعتياد المقيت!! لقد تعرفت على معنى أن تغيب يا حبيبي، بعد أن غابت عني كل الأشياء التي كانت تصلني بك .. تلفونك الصباحي .. طلتك المفاجئة (والتي لم تكن مفاجئة تماما) قبل موعد الغداء بدقيقة، لتتأكد أنني طهوت ذاك النهار.. حرارة جسدك الذي تتركه على سريري بعد القيلولة .. وظرفا حنونا تحت الوسادة، فيه قسط الجامعة أو إيجار البيت أو ثمن الملابس الشتوية وكعك العيد.
ها أنا أنجرف ثانية لوصلة البكاء.. أستميحك عذرا يا أبي، سأوافيك بعد قليل!
حسنا ... البارحة ذهبت إلى المحكمة، وتنازلت عن حصتي في إرثك، انتهى. أوف أخيرا قُلتها؟ كان لا بد أن تعرف، كنت ستعرف القصة على أي حال مني أو من غيري. اسمع! أبناؤك المحترمون قرروا وبعد أن شاوروا عميد العائلة، الذي لم تحبه ولم تنتخبه يوما، أن المرأة (والتي هي فقط أنا) ليس لها ميراث في عرفنا، وأن ما حصلتُ عليه في حياتك (يعني أساور الذهب الست، وعقد والدتي رحمها الله)، هو حلال زلال لي من دون أي ضغينة! واستندوا في قرارهم هذا، إلى أنني متزوجة من رجل "غريب"، لا يحق له الاستمتاع بميراث، وكأنه واحد منهم! وحتى يتأكدوا من تنفيذ قضائهم، بلغوا "الغريب" به، قبل أن يبلغوني؛ لأنهم يعرفون اعتداده بكرامته وعزة نفسه.
والدي العزيز.. لم أكتب لك رسالتي لتحزن وأنت تحت التراب، إنه عجزي الذي وصلك صوته بينما كان يشكو إلى الله .. ثم أن الأخبار ليست كلها محزنة!
فبعد تقسيم التركة، قررت زوجة ابنك البكر، فتح شركة مستقلة لتنظيم المؤتمرات، بعد أن تعبت من العمل لدى الآخرين. فيما اشترت زوجة ابنك الثاني شقة جميلة لابنتهما نور، والتي تقيم مع زوجها في دبي؛ لقضاء الإجازة الصيفية.
أما أنا فلا تقلق على حالي .. تعلم أن سعر الذهب في العالي هذه الأيام .. سأبيع الأساور هذا العام لإكمال تعليم الأولاد، وفي العام المقبل سيتخرج طلال ويساهم في تعليم أخته.
القلادة؟؟ بصراحة أفكر أن أبيعها هي الأخرى لأقيم عمرتين، واحدة لي وواحدة على روحك.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب