الأولى: أسمعتني صوتا طريا يغالب اندفاعي للمعركة.. زينت لي ستري وأنا أتمشى بجانب الحيطان.. حولت قوة الدفع التي كان مقدرا لها أن تهزم جبلا، إلى مجرد "دفشة" للباب الذي تأتي منه الريح، وعودتني أن أستريح.. قررت عني أن أقبل بربط الحمار "مطرح" ما يأمر به حمار آخر.. وحفظتني غيبا أن الساكت عن الحق .. شيطان أذكى!
الثانية: لأنك في حادثة كسر "مرطبان المقدوس" الشهيرة، جرجرتني من ذراعي إلى البقعة المظلمة.. حليت في فمي طعم الكذب الذي ينجي من الضرب.. وبالمرة أطلعتني على علم لفلفة الأمر كيفما اتفق، وإلقاء القبض على أول مار بالصدفة على مسرح جريمتي.. طهرت لي نجس الفرار، وربيتني على غسل يدي قبل وبعد الغدر مباشرة!
الثالثة: دفعتني لأكره خانات هويتي الشخصية. مرمرت قلبي على تاريخ ميلاد يحكم عليّ بالموت في برج العذراء. في زمن ما تخيلت أن أكون اسما آخر، في مكان ما تمنيت أن أكون جنسا آخر، في انكسار ما حلمت أن أعيش عمرا آخر.
الرابعة: خففت علي وقع الصفعة الأولى.. لا لم تكن صفعة.. كان ضربا مبرحا أدى إلى كسر مضاعف، في الذراع وفي العين.. كممت عشرين عاما من القراءة والتأمل.. وسرقت ذاكرة إدراكي عن مفهوم عزة النفس.. بعثرت على الأرض أوراق الحب والكرامة، حتى اختلط علي الأمر وما عدتُ أقدر على فرز أولوياتي، فضيعتُ الحب ومسحتُ بكرامتي الأرض!
الخامسة: عودت عيني على "منهجية مشاهدة" الظلم والاستبداد، حول المآذن وتحت شجر الزيتون وداخل الأنفاق وفوق سطح دارة فيصل الحسيني.. تسللت إلى دهشتي من قدرة أطفال حفاة الأقدام، على تسلق أعتاب الجوع والحصار، وفهمتني أن ذلك نصيبهم من الحياة.. وهم راضون به.. سيطرت على فزعي من الغاز المسيل للدموع، ووسوست لي أن الرصاصة التي طارت فوق رأس جيفارا البديري، ليست حقيقية!
السادسة: قلت لي إن والديك بشر مثلنا، يحق لهما أن يخطئا.. فيحق لي أن أحاسبهما، وأردّ لهما الصاع كيلا من الصراخ والتمنن بالإيواء واللقمة والدواء.. حشدت على رصيف العقوق يافطات "تباعد الأجيال" وتخلف تربية القدماء، وانعدام التفاهم بين الصور الملونة وصور الأبيض والأسود.. سهلت مرور "الأف" عبر أثير متقطع، لا يصوصل دعاءهما لي بالهداية.. وجعلتني أسخر من سذاجة حكاية أب حبس والده المسنّ في كهف قصي، فحمله ابنه إلى نفس الكهف حين بلغ من العمر عتيا!
السابعة: جعلتني أصدق أنك راعي كل خطاياي، وحامل ذنبي عن كاهل حماقتي.. ورسمت طوق غار فوق رأسي، يبرئني من التواطؤ معك.. ورفعت عني غلالة نفسي التي هي الأمّارة بالسوء.. ولم تصارحني بحقيقة أنك لست وحدك.. بل أنا مثلك شيطان!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ