مجاهد عبد الإله مواطن عربي عادي جدا، له قصة جميلة ومليئة بمؤثرات صورية وصوتية، تستحق أن تروى لهدف اللهو ليس إلا!
 
ففي صيف العام 1977 كان مجاهد يقف ضمن طابور طويل أمام بوابة القنصلية الايطالية، جواز سفره بيمينه، وبداخله إعلان فتح الباب لمهاجرين جدد المقطوع من صحيفة شبه رسمية، ولم ينفك حينها مجاهد عن ترديد كلمات حفظها من كتاب "تعلم الايطالية من دون معلم": بونجورنو سينيورا، لو اومو لي ايطاليا! وعلى سبيل اجترار العواطف الجياشة والتي عرف أنها من ملكات الإيطاليين، حرص مجاهد على إظهار طرف كتاب مذكرات غيوسبي!
لم يكن المسكين حتى تلك اللحظة يعرف أن قانون الهجرة الى ايطاليا، لا يلتفت لاستعراضاته المكشوفة، بقدر ما كان يحتقر كثيرا أن تكون خانة الاسم لطالب الهجرة مملوءة بكلمة ... مجاهد.
 
وفي خريف العام 1981 كان "أبو عمر المختار" وهو لقبه الذي اتخذه نكاية بالطليان، بعد أن منّ الله عليه بولد يردد أمام موظفة السفارة الفرنسية: بونجور مدام، جوم لا فرانس! ضحكت المدام من حروفه الشاذة وعلى ياقته الفراشة، وهزت رأسها أن لا مكان تحت قوس النصر، يتسع لمجاهد آخر، حتى لو كان يتقن عزف نشيد الثورة الفرنسية، على آلة الاكورديون التي أقرضته إياها فرقة الميراج آنذاك!
 
شتاء العام 1996 كان قارسا جدا والثلج يعيق حركة السيارات، التي توقفت في منتصف الشوارع، واضطر أصحابها إلى إكمال الطريق مشيا على الأقدام. حمل مجاهد ولديه عمر المختار ومليكة "على اسم المجاهدة الجزائرية مليكة قايد"، الى منزل جدتهما، وأثناء صعوده الدرج الطويل، لم يتوقف لسانه عن شتم زوجته التي رفعت عليه قضية طلاق، بسبب "اضطرابه العقلي" كما ادعت، وكل ذلك لأنه مصر على التوجه الى السفارة البريطانية، دفعة واحدة، وولوج مضارب حلمه أوروبا من أصعب أبوابه.
 
تلقفت والدته العجوز ولديه وحقيبة الحليب والحفاظات. كما تلقت صفعة فشله في الحصول على الفيزا، بكل صبر وتفهم واحترام. لكنها في الوقت ذاته حرضته بكل ما أوتيت من دهاء الأمهات، على استرجاع زوجته، خصوصا وأنها حامل في شهرها الثامن، كما طلبت منه أن يخزي الشيطان، من دون أن تحدد تماما من تقصد. وشجعته على فكرته النيرة، بأن يطلق اسم أمين على الطفل القادم "جكارة" في الإنجليز!
حزيران 2010 ...
 
عمر المختار، مدير في شركة عقارات عالمية، قرر أن يبقى برفقة زملائه وزميلاته، هذا المساء في المكتب لمتابعة المباراة العظيمة، وقد شدد على كافة الموظفين، ارتداء قمصان رياضية مزينة بالعلم الإيطالي!
 
مليكة الموظفة في أحد الفنادق المهمة، كادت أن تخسر عملها اليوم، بسبب صراخها على عامل التنظيف والذي بينما كان يمسح سيارتها، ضيع من دون أن يقصد علم فرنسا المعلق على مقدمة الزجاج!
 
أمين الطالب في الصف الثامن، ستره الله من موت محقق، بعد أن انزلقت قدمه المعلقة على حافة النافذة، فسقط من الدور الثاني على ظهره وأصيب بكدمات بليغة، لكنه لم يأبه لآلامه المبرحة، بقدر احساسه بالعجز من فشله في تعليق علم بريطانيا!
 
نسيت أن أخبركم أن مجاهد وبعد أن مل من طرق الأبواب الأجنبية، قرر أن يفتح له كشكا يبيع فيه الكتب والصحف لبعض المارة المقبلين على القراءة. لكنه أبدا لم يرض أن يعرض كتبا تعلم لغات من دون معلم. كما أنه رزق بصبي رابع هو ملهاته أيام الكهولة ... تريدون أن تعرفوا ماذا أسماه؟ عبدالناصر ... وهو يركض الآن في الحارة وبيده خيط طائرته الورقية، الملونة بالأسود فقط!

المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ