أيهما نشبه أكثر برأيكم؟ نحن المواطنين الكثيرين، المتربعين على أرائك الفرجة من بعيد، نتجرع كأس هزيمتنا أمام وحش الشاشة الجديد... الفقر.
 
أيهما نشبه أكثر..؟ هل نشبه الكفيف الذي تعرض لسرقة راتبه الشهري من المعونة، من قبل لصوص أذكياء حاوروه باللين، واستخدموا اضطراره لحشر جسده المرتعش جزعا وبردا، في عربتهم باعتبارها الوسيلة المتاحة الوحيدة للركوب والهروب من الخوف ومن البرد.. ليجد نفسه مرميا على قارعة الطريق يبكي حاله الذي أوصله لهذا الدرك من الذل، ويبكي أكثر "وهذا على لسانه"، قهرا على فقدانه الاحساس بالأمان.
 
أم هل نشبه تلك الشابة التي تهجم عليها شقيق زوجها في بيتها بنية الاغتصاب، وهرب مذموما مدحورا، بعد أن دافعت بكل ما أوتيت من كرامة على نفسها، فاستحقت القتل بدافع الشرف على يد أخيها!؟
 
قصتان حديثتان ومتزامنتان مع بعضهما، ومع كثير من القصص التي صارت أكثر من عادية، في طريقة قراءتنا لها وردات أفعالنا أمامها، والتي لم تعد تتجاوز هزة في الرأس، وتنهيدة عميقة من الصدر، تتبعها جملة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ومن ثم قلب الصفحة بحثا عن خبر يسر القلب!.
 
كيف لنا أن نمتلك ردا أقوى على الجريمة، ونحن فاقدو الشيء الذي لا يحق لنا أن نعطيه؟
لماذا نكذب على أنفسنا، ونضلل وعينا المتبقي، والمسؤول عن فعل الاستقبال فقط، بعد اعلان الوفاة الاكلينيكية لفعل الارسال؟. لماذا نكذب وندعي أننا مبصرون جدا و"مبحلقون" أثناء سيرنا على الطريق العام، فيما لصوص الشارع يتجرأون علينا، خطفا ونصبا وسرقة ورميا على الطرقات الباردة!؟
 
لماذا لم ننتفض أمام خبر مصرع الشابة المغدورة، رغم يقيننا أن ظلما مركبا وقع عليها، الا لأننا نشبهها كثيرا، نقاوم بكل ما أوتينا من حياة، دفاعا عن حقنا في العيش الشريف في تلك الحياة، فنموت على يد أقرب الناس إلينا!؟
 
وأنا حين كنت أسأل في البداية، لم أكن أمزح أو أفلسف الأمور، حسب رؤيتي التي تميل للصورة التعبيرية غالبا. إنما تغالبني صورة الضحية المرمية على الأرض، أطاح بها فقرها وعوزها، وقبل ذلك استكانتها لمهدئ كان اسمه الأمان، يخفف عليها وطأة الجوع والمرض.
لكن تسكع الظلم في الشوارع ووقوفه خلف الأبواب واحتقاره لشعارات الرضا بالمكتوب، والصبر على المتاح، إضافة إلى استهزائه بالفطرة الطيبة، والقبض على جمر الأمل هو الذي يدفعني للسؤال: أيهما صرنا نشبه أكثر؟ وكما أحب أحيانا أن أرش فوق مقالي بعضا من سكر درويش، أتساءل معه السؤال الأهم:
"هل صحيح يثمر الموت حياة..
هل سأثمر في يد الجائع خبزا..
في فم الأطفال سكر؟؟
أنا أبكي ...".

المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ