هي: آلو..
هو: ههههه، كنت متأكدا أنك ستتصلين، وكفي لم تفارق سماعة الهاتف، من بداية النشرة!
هي: إذن شاهدتها!
هو: هوهوهو.. وكيف لي أن أتجاهلها، وكل العالم قد استنفر منذ ساعات، لإعلان الوثائق الخطيرة.. هههه.. وثائق خطيرة فعلا!
هي: تضحك؟
هو: ولم لا أضحك؟ ماذا كنت تنتظرين؟ أن أرتجف؟ أتلعثم؟ أضطرب؟ ماذا كنت تنتظرين مني، أنا المشاهد الكريم؟ أليس هذا هو اللقب الذي يطلقه علي إعلاميو الفزعات؟
هي: قلت لي مرة أن بيتك في الحي الفرنسي، رأيته الليلة بعيني، وتخيلتك تمر من أمام الكاميرا حاملا حقيبة الحاسوب، وكيسا طويلا يُظهر طرف الخبز الأسمر الذي تحب!
هو: أولا أنا أسكن بجانب "المستشفى الفرنسي" في حي الشيخ جراح، وليس الحي الفرنسي، هذا حتى لا تضيعي إن قررت زيارتي يوما! ثانيا، هو ليس بيتي، بل بيت العائلة منذ ستين عاما، هذا حتى لا تتفاجئي إنْ فتحت واحدة من أخواتي أو زوجات إخوتي لك الباب! ثالثا، مشهد الحقيبة وكيس الخبز، يكون ليليا، بعد عودتي من المكتب و"ناصر الحسيني" كان عندنا في الصباح، ألم تري العمال الفلسطينيين؟
هي: بلى.. وبصراحة لم أفهم! عمال فلسطينييون يعملون في مشاريع المستوطنات؟ حتى ان المراسل، برر ذلك بكلمتين: لقمة العيش.. ورغم ذلك أنا...
هو: "خليها على الله"، لو كنت مكان واحد منهم، رب أسرة عاطلا منذ عشر سنوات عن العمل، ينتظر أطفاله كيس الخبز "على رأيك" بفارغ الأحشاء الجائعة، ورعشات الأطراف المزرقة من البرد، وموت العقل بسبب توقف الوريد المؤدي اليه عن العمل، لكنت حفرت نفقا بيديك، يوصلك الى الشيطان، لتعملي تحت إمرته! ثم.. ألم تسمعي بنفسك؟ "بقاء بعض المستوطنات، فيه مصلحة مشتركة للطرفين"! بالله عليك دعي عنك الرومانسية، فهي لم تثبت جدواها بعد!
هي: مالك استنفرت وكأنك في ندوة تلفزيونية، تعرف انني لم أرَ فلسطين من قبل، إلا حين عرفتك. أنت كتابي وشاشتي وسماعتي إلى وطني.
هو: .. طيب، ضحكت عليّ بكلمتين كما هي عادتك!
هي: تعرف! أغضبتني النشرة وأسرار المفاوضات، واللقاءات والادعاءات، والاتهامات، والسخرية التي ظهرت على وجوه المذيعين، والتشنج الذي كان يملأ المكان.. أغضبني حكمي على الأشياء والذي كان متذبذبا، كمؤشر البورصة! من أصدق؟ من أكذب؟ من أكره؟ مع من أتعاطف؟ غضبت من نفسي كثيرا، حين لم أعرف!
هو: ولماذا هذا الانشغال والكره والغضب؟ انها أوراق.. مجرد أوراق!
هي: ماذا تعني بمجرد أوراق؟ هل تستخف بالأوراق يا عزيزي؟
هو: جدا! فعلى طول التاريخ، لم تفعل ورقة واحدة فعلها بالإرادة. نحن في القدس، نعافر.. تعرفين ماذا يعني نعافر؟ نبني بيوتا داخل بيوتنا، نتكاثر، نتعلم، نصلي الجمعة تحت فوهات البنادق، نتمسك بالأرض حتى لو هدوا البيوت فوق رؤوسنا، نطرز شراشف الطاولات والوسائد، نطهو الخيار والجزر المحشي، ونعلق صور القادة وخريطة فلسطين على مدخل الدرج.
هي: والوثائق ؟
هو: "يبلّوها و يشربوا ميتها" !
هي: من؟
هو: الإعلام والسياسة! تصبحين على خير.. حبيبتي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ