من يوم قرأت في جريدة "الغد" قصة العجوز، التي زارتها الزميلة حنان الكسواني، في قبرها.. أقصد في الحفرة التي تؤوي جسدها والدود معا، من يومها، وأنا أشعر بطعم القيء يخرج ويدخل باب معدتي، جالبا معه شعورا عاما بالتقزز والتعاسة، من هذه الدنيا التي لم تعد بخير، ولا بقدر جرعة ماء لملهوف!
وقد زادت علي الصديقة فريهان الحسن مشكورة، حيث استغلت جلستي مقابل مكتبها مباشرة، لتواجهني بالصور الأخرى لتلك المسكينة، والتي تمنع الأخلاق المهنية نشرها، حفاظا على مشاعر القراء "وإلى الجحيم مشاعري أنا"!
ما هذا؟ ما الذي رأيته يومها؟ ما الذي سمعته حول الرقم الوطني و"استحالة العلاج في المستشفيات الأردنية".. سمعت هذه الجملة مؤخرا، أين؟ أين؟ ليس مهما!
لنعد إلى التساؤل بدهشة المستقبلين، الجالسين على مقاعدهم مرتاحين، يتلقفون الأخبار والتصريحات والتبريرات والمفاجآت، واحدة تدفع واحدة، وكلها.. كلها تدفعنا إلى الوراء!
ما هذا؟ كيف تجرؤ القوانين الجافة على مقارعة الحاجة والعوز، بهذا القدر من التشدد الغبي؟ أين تتجول إذن روح القانون، إن لم يكن في سراديب القلوب، التي يبدو أنها جوفاء من داخلها، بعكس ما يحاول المتبجحون بالعدالة أن يقنعونا بعدالتهم وإنسانيتهم؟
أي رقم هذا الذي يمتلك سحر الجواب للسائل، واكسير الحياة للمحروم؟ لا أصدق أن رقما.. مجرد رقم، يمكنه أن يفعل ذلك في حضرة اللحم والدم والإحساس والضمير!
لا أصدق أن الخيط الرفيع بين الحياة والموت، هو بطاقة هوية رسمية مروّسة برقم وطني. لا أستوعب أن يتوقف جريان الدم عند حدود اللوائح والقرارات والشروحات. لا أقبل أن أكون مواطنة صالحة، تعيش في عهد غياب التمييز بين الصالح والطالح، الحلال والحرام، العدل والظلم، المنطق واللامنطق!
شيء مضحك مُبكٍ فعلا... فاسد يحمل هوية ورقما وطنيا كاملا، يهرب بمرضه إلى دول "محتمل وجوده فيها"، لاستحالة علاجه في البلد. ومسكينة لا تحمل إلا المرض والفقر والوحدة، ترتمي في أقذر بقعة في الوطن، يأكلها الدود، لاستحالة علاجها في البلد!
هل بلغ الصداع مبلغه في وطني إلى هذه الدرجة؟ هل صارت أوجاع "تالي الليل"، سُنّة حياة أهلنا وربعنا؟ ما بالنا نتقهقر مائة يوم إلى تحت، في ظل وقع صراخ الأغاني المدوّي، بأننا فوق.. فوق؟ ما بالنا نقبل الأمر الواقع باستسلام أضحيات المعابد؟ لماذا لا نصدق أن أي بداية جديدة، تحتاج إلى بداية هي الأخرى، اسمها الندم..
وسؤال هذا الأسبوع هو: هل تغير شيء؟!!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ