كان كلما يسمع جملة "ومر شريط حياتي من أمامي"، يستغرب كثيرا من الوصف والخيال الذي لم يكن ليسمح له بتشويش أفكاره المرتبة، والموزعة على جداول منظمة، مهمتها تنظيم الوارد والصادر من كل شيء، اعتاد أن يعتاد عليه باستسلام وهدوء تام.
راتب آخر الشهر هو راتب آخر كل شهر، منذ أن استلم وظيفته التي لم يحلم بها، وهو في رتبة الجيش الإلزامي على الحدود.
اعتاد الطريق المؤدية من وإلى بيته الصغير، الذي اعتبره جنة الله على الأرض، مقارنة بربع غرفة معدمة، في شقة أهله القديمة، متران مربعان ليسا كلهما له تماما، لكنه اعتاد كما هي العادة، أن يدرس وينام ويشاهد "مروان صواف" من بين سيقان إخوته الصغار، وكان يحلم..
كما اعتاد أن يسامر زملاء المدرسة التي عين فيها، بعد صلاة المغرب، على قارعة الطريق التي لا تجهد جيب أحد فيهم، بثمن القهوة والدخان، الضروريين لاستكمال باقي حديث السياسة، الذي يخوض في أخبار البلاد الأخرى، ويستعرض سياساتهم واتفاقياتهم وأمنهم وحتى استخباراتهم، ويحلل خططهم ويقرأ خطهم، مستمتعين بمساحة حرية الفكر، وارتفاع سقف الحوار، والمجاهرة بالرأي حول ما يحدث في تلك البلاد "الأخرى"، الموصومة بعار العمالة حينا، والكذب على الشعب وامتصاص دمائهم أحيانا أكثر.
كانوا يستهزئون من اعلام تلك الدول، التي بيضت طريق الحرير الى اتفاقيات السلام، وجندت نشرات أخبارها وبرامجها لدس السم في العسل، على رأي أحد رفقائه المطلعين على بواطن الأمور، واعتاد هو أن ينتقد الشعوب الأخرى؛ لأنها لا تقوى على رفع رؤوسها في وجه حكامها، معلنة عن رفضها ومقاومتها وممانعتها. اعتاد أن يكون "هم" الرفض والمقاومة والممانعة، وليس أحدا آخر!
ما الذي جرى له اليوم إذن؟ لماذا أستشعر بامعائه وهي تنقلب كل دقيقة تقريبا؟ أكاد أميز صوته وهو يهلوس بأفكاره التي انطلقت من مخابئها، ومن تلافيف مخه الذي لم يستوعب المشهد بعد. أوَ ليس ذلك الضابط الذي يطلق الرصاص على نافذة أحد البيوت الساكنة، هو ذاته الذي علمه درس الشرف والكرامة على تلك الحدود يوما؟
أهذه نفسها حافلة المدرسة التي كانت تقل طلابا، لطالما صدقوه؟ كيف استحالت ناقلة جثث مكومة بلا هوية إذن؟
وتلك السيدة العجوز التي تشبه صاحبة البيت، تركض في وجه الرصاص تؤنب الجنود على "قلة أدبهم"، وتهددهم أنها ستغضب عليهم في الدنيا والآخرة ان لم يتوقفوا!
وصراخ زملائه الخارجين من صلاة الجنازة على روح إحدى الطالبات المجتهدات، انه يعرفها جيدا ولكنه وللعجب لم يعد يتذكر اسمها الآن.
نعم انه هو، أراه أخيرا وهو يترجم معنى الممانعة والرفض صوتا وصورة، كان يحلم أن يصبح صحافيا مثل مروان صواف، لكن شهادة الإعلام لم تكف لتحقيق هذا الحلم.
أسمعه يقول من خلف كاميرا هاتفه المحمول: العالم بدو يشوف اللي صار في درعا.. قوصني قوصني!
لقد شاهد شريط حياته وهو يمر من أمام عينيه. فقرر أن يكسر العادة!
في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. كل عين وهي بخير!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ