طفلة على الجانب التركي بمحاذاة أرضها الطبيعية، تسمع أصوات المتراكضين بجانب الشيك، تطل من فتحة الخيمة البيضاء، فترى امرأة ورجلين يحملون أكياسا مهربة للخبز  ومناقيش الزعتر. تشتم الصغيرة رائحة أمها الأولى، وتركض الى الكيس تحتضن الوطن، وتخبئه بين أسنانها بقضمة واحدة!
 
هذه الصغيرة كانت تنظر إلينا بملل، كانت تشاهدنا وعيوننا تدمع عليها وعلى رفاقها المتعطشين لماء حنفياتهم، على بعد أمتار منهم. لم يهتموا للكاميرا وهي تتجول بين عيونهم، تلتقط لنا أحلك ذكريات المساء الجديد. يعتقدون أنهم كبروا على مشاعر الشفقة الليلية. فمهمتهم كأطفال قد توقفت، لحظة عبورهم الى الطرف الآخر...صبي ينام على طرف سرير ليبي في مصراته. قرر أن يغلق أذنيه عن تكهنات مرور الثوار، وتراجع الكتائب.
 
أقسم أنه يشبه كل الأولاد في نومه على جنبه، وبساقه المثنية الى الأمام وبفمه نصف المفتوح! هو أيضا لم يعد يهتم للكاميرا وهي لا تراعي غفوته المسروقة بين الركام. المهم أن تنتج صورة ليلية أخرى تنكد على أشباه النائمين الممسكين بالرموت كنترول، ينتظرون نهاية خبر ما ليطفئوا ويناموا، هو أيضا من حقه أن ينام بعد هذه الفرجة المجانية، بنتان فلسطينيتان من بلدة أبو غوش، قررتا التحكم بالانتظار على حاجز قلنديا، فارتجلتا مسرحية قصيرة تتحدث عن أمهما المريضة بالسرطان، والتي تمكنت من الحصول على دور في الجلسات العلاجية في مستشفى هداسا في القدس. واحدة منهما تمثل دور الأم المتهالكة، والأخرى تتقمص شكل الجندية الإسرائيلية، وهي تتمعن مائة مرة في أوراق الدخول، ثم تأمرها بالجلوس ثانية على الكراسي، ومتابعة الانتظار لحين التحقق من "بعض الأمور".
 
أحدهم وهو من فلسطينيي أميركا، كان يستمتع بتصوير المشهد الحي "الميت"، وهما كانتا بين اللحظة والأخرى تسترقان النظر الى الكاميرا، للتأكد بأنها ماتزال مضاءة!
 
هنا صورة ثابتة لطفل "يتشعبط" على ظهر سيارة نقل للمياه، يسحب خرطوما أثقل من وزنه ثلاث مرات ويصرخ حتى يسمعه صاحب البيت المرابط على سطح العمارة: ظايل متر، بدك اياه؟
 
وهناك صورة لصغيرة تسحب يد أبيها العجوز كل ليلة من دوار الكيلو عبر شارع المدينة المنورة، بعد أن ملأ كيسه بعلب المشروبات الغازية الفارغة. تطبطب على رأسه كلما سنح لها الطريق وفرغ من المارة، وتسليه حتى يصلا البيت الصغير، بحكاياتهما التي ستصير حين تتخرج في الجامعة،الى الاطفال العاديين... وأنتم في غمرة الشكوى من الملل الذي بدأ بعد نهاية الامتحانات بساعتين. وأنتم ترمون أمام أهليكم بإعلانات السفر الى شرم الشيخ واسطنبول. وأنتم "تتفعفلون" أمام بائع الحلوى على بوابات المولات. تذكروا أن ترددوا مع آبائكم ... الحمد لله!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ