في هذا الأسبوع أيضا، سأنأى بنفسي عن كتابة حرف واحد يخص إخوتي في سورية! لا لشيء إنما لأن أي عبارات أو استعارات مكنية أو تشبيهات، ستكون بعيدة مسافة أميال في وصف حالة القهر والتعذيب، التي سطرتها بجدارة صورة أم الطفل الشهيد سامي، وهي ترتمي فوق صدره المثقوب برصاص الجيش، ترتمي وتقوم، ترتمي وتقوم، وتنادي عليه أن يصحو ويعاود شقاوة سنينه التي غلبتها لأحد عشر عاما.. أكثر من هذه الصورة عيب أن نحاول أعتقد!

هيا نتكلم عن... الشاب الذي كتبت عنه "الغد" حامل شهادة الدكتوراه، والذي يعمل في موقف للسيارات في إربد. أعتقد بحق أن اليافطة التي يحملها معه "المتعلمون مهانون والجهلة مصانون"، تختصر قصة الظلم الذي يعاني منه شبابنا، الذين غسلتموهم ونشرتموهم وحملتموهم وزر بطالتهم تحت شعار محاربة ثقافة العيب! عملتم كل ما بوسعكم حتى توحوا لأنفسكم أولا وللمراقبين ثانيا، أنهم غير بريئين تماما من قصة بطالتهم، لأنهم يترفعون عن الانخراط في أعمال لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو طموحاتهم. كبرتم الشعار كثيرا حتى أضحى أضخم من المشكلة ذاتها "البطالة". وعنى لكم عنوان ثقافة العيب بشكل مبالغ فيه، مع أنه ليس قريبا جدا من الحقيقة كما أوحيتم لنا، والدليل ليس فقط صاحبنا بطل القصة، إنما نسمع دوما عن حملة شهادات عليا يعملون في المطاعم والكراجات والمصانع، بحثا عن لقمة عيش شريفة، تغنيهم ذل السؤال، وهم لا يرون في ذلك عيبا.. لكن، أوليس هذا هو العيب بنفسه يا أصحاب شعار محاربة ثقافة العيب؟!

هيا نتكلم عن... خطف الثورة المصرية، من بلطجية النظام البائد "أو المفترض أنه أبيد"! لنراقب معا الأحداث المتلاحقة في شارع محمد محمود وميدان التحرير وصناديق الانتخاب وخطاب المشير الغريب شكلا وموضوعا.. لنضع أيادينا على قلوبنا النابضة بحب هذا البلد "مصر"، ونستذكر معا شكل وإخراج الثورة المختلف تماما عن الثورات التي تعلمناها وقرأنا عنها. لنشد على أيدي الشباب الذين استيقظوا متأخرا، ليكتشفوا أن خفافيش الليل لا تنام في الليل، وهي ذاتها التي اختطفت تعبهم وعرقهم وأصوات حناجرهم وسهرهم الليالي على مواقع التواصل الاجتماعي. خفافيش الليل تعرف كيف تقتنص الفرصة سريعا، وتنقض على الفريسة النائمة بأمان! هذا ما اكتشفه الشباب قبل أيام، ولا أعتقد أن قيامتهم المفجوعة على أخبار منجزهم التاريخي، ستعيد عقارب الساعة للخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) الماضي. لذلك وهذا من وجهة نظري، علينا الآن أن نشد على سباباتهم لتتلون بحبر المشاركة في الانتخاب، لأن الهروب من الصندوق "والذي سيشهد برأيي أنزه عملية انتخابية بتاريخ مصر"، سيولد ندما لن تداويه سنوات طويلة مقبلة.

ما رأيكم أن نتحدث عن... رواتب الفلسطينيين التي لن تتمكن السلطة من دفعها، بعد أن قامت إسرائيل بتجميد أموال الضرائب، عقابا على حصولهم على مقعد في اليونسكو؟.. أو لنحلل معا أسباب اكتساح حزب النهضة في انتخابات تونس.. أو لنحاول أن نفهم مصدر "طولة بال" الشعب اليمني العظيم.. أو دعوني أحدثكم عن روعة عرض "الآن فهمتكم" لمبدعينا الأردنيين الزعبي وحجازين والضمور وزملائهم الآخرين..

أراني الآن أتنفس بعمق.. أسمع صوت زفيري العالي.. أخجل من هروبي المستعار، الى أخبار.. أختبئ في زوايا الغرفة مثل عصفور يقلق من أي صوت أو حركة في الخارج.. وصورتها.. هي ذاتها تضيء ظلمة النهار المختفي خلف الستائر الغامقة... أم سامي.. ترتمي وتقوم.. ثم ترتمي وتقوم.. وتنادي عليه لكي يستيقظ.. وأنا.. لن أهرب من سورية!


المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب