لم أكن أعرف حتى وقت قريب جدا، أن الحياة التي كنت أعيشها مع أمي وإخوتي تحت كنف والدي، وهيبته وأبهته وسلطانه، كانت على حساب الشعب! الشعب؟ يا لهذه الكلمة الرنانة العظيمة، والتي تكفي وحدها لتوقف شعر ذراعي تأثرا واحتراما.
 
لم أكن أعرف أن سيارات "المصلحة" التي كانت تأخذني وتعيدني من المدرسة، بسائقيها المطواعين دائما لرغباتي الصبيانية الغبية، وفوقها رغبات أصحابي الذين كانوا يحكمون ويتحكمون بدورهم في مشاوير السيارة المصروفة لي، بأصواتهم العالية وقهقهاتهم المستفزة، كانت مهمتها محددة لا تتعلق لا بمدرستي ولا جامعة أختي ولا صباحات والدتي ولا وجبات أخي الجاهزة.
 
كنت صغيرا جدا على فهم كلمات لها دلالاتها التي تلعلع هذه الأيام كثيرا، كلمات مثل الفساد والاستغلال واللصوصية. اعتدت على هذه الحياة الصاخبة الواسعة المتحررة من أي قيود، وأحببت والدي كثيرا، لأنه صنعها لي ورتبها بحيث لم يسمح لغلطة واحدة تعكر علينا راحتنا ورفاهيتنا. حينها لم أكن أفكر بتلك المعاني، لم أتعب دماغي بتفسير معنى الرفاهية أو الدلال الذي كان حديث أصدقائي طيلة فترة دراستي قبل الجامعية.
 
السفر إلى أي مكان وفي أي زمان كان هواية الوالد المفضلة، التي أورثها لنا تباعا، حتى لم تعد متعة نفرح بها، ما دامت بهذا القرب واليسر. ماذا أقول لكم؟ باريس، ستوكهولم، طوكيو، أونتاريو، بادلينغ آكرا، فيينا، ميلانو وغيرها الكثير، مما كانت على لائحة المؤتمرات، التي كان يحضرها أبي بحكم وظيفته، وأخرى كانت من ضمن "الهدايا" المقبولة من طرفه، مقابل بعض الخدمات البسيطة!
 
أحدثكم عن بيتنا؟ عن بيوتنا التي انتقلنا منها الواحد تلو الآخر في غضون سنوات قليلة، تدرجت في مساحاتها وإطلالاتها وديكوراتها وأثاثها، حتى أصبح آخرها واحدا من بيوتات عمان الشهيرة، والتي يحلو للبعض المرور من جانبها فقط لممارسة هواية.. التأمل!
 
أم أحكي لكم عن الحادثة الشهيرة التي صارت حكاية الموسم، عندما أوقفتني سيارة الشرطة في فجر أحد الأيام وأنا أقود سيارة صديقتي، التي هي أصلا سيارة والدتها، وكنت ثملا وعلى سرعة مائة وخمسين ولا أتجاوز من عمري السابعة عشرة! لكم أن تتخيلوا أو ألا تتخيلوا رد فعل الوالد حين علم أنهم أوقفوني في أحد الأقسام لأكثر من نصف ساعة، على قدمي، بدون أن يسمحوا لي بإجراء أي مكالمة، لولا أن أحد الأصدقاء الذي رأى الحادث من بعيد، قام مشكورا بتبليغ الأهل.
 
نظرة حاقدة واحدة من عيني الضابط يومها كانت كفيلة كي أشعر أن شيئا غير طبيعي يحدث معنا. من يومها أدركت أن وشوشات الآخرين حولي، كانت تقصد أمرا مريبا ومخزيا يتعلق باسم والدي.
 
أبي يا سادة رجل فاسد بكل ما في هذه الكلمة من معنى! فالغربال لا يمكنه أن يغطي الشمس أياما أطول، ويبدو من تردد بعض الأسماء على صفحة الفيسبوك أن الدور المقبل سيكون من نصيبه. وأنا لن أقارع أكثر، لن أدافع أكثر، بل سأقف على قدمين تتحسسان الأرض التي لم أشعر بها طوال سنين عمري الماضية.
 
أبي.. أنا الرجل الذي لم تربه، ولم تتعب على صقل شخصه، لكن ضميري الإنساني سيفعل وأنا مستسلم إلى آخري له، ما دامت العدالة ستأخذ مكانها الطبيعي في حياة اعتقدت أنت أنك تملكها وحدك، سامحك الله يا والدي على ما فعلته بالوطن وبك وبنا، طوال العمر الذي مضى، والعمر الذي سيأتي..
 
وإلى كل الآباء.. على الأقل اتقوا الله فينا!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ