"إهداء الى الذين يعتقدون أن للصوت وظيفة واحدة"...
صوت واحد فقط، لأقول كل ما عندي وبالنبرة التي تناسبني أنا. لأمرجح أغنية الربيع بين ترقوتي والسماء، ولا أهتم أن يسمعني أو لا يسمعني أحد. صوت واحد يكفي لأن أعترض على مخالفة مرور تجنت على حزام لم أضعه، بعد أن فشل هو الآخر أن يمنحني الأمان. صوت واحد .. يتكلم لغتي ومفرداتي بدون أن آبه لفهم "آخرين"، بدون أن أكترث لمعجم التفسير، ما دام الكلام عاديا مثلي ومثل بقية الناس الذين أعرف.
صوت أكتبه على الورق المقوى، وعلى الجدران وعلى بطاقة التعريف، وعلى جلدي إن لزم الأمر. يمارس كراهيته للظلم المختبئ خلف النبرات الناعمة، وتحت كبسات الأجراس الجاهزة، لاقتلاع الكلمة من جوف الغضب، قبل أن تنطق بكلمة حق.
صوت واحد يكفي، لأن يعيد عجلات السيارات السوداء الى الخلف قليلا، ويوقف أصحاب النظارات الغامقة، لدقائق، قبل أن يفكروا بقرار سريع، يلجم الحمام المتأهب للرفرفة فوق أسطح الناس البسطاء، يذكرهم أن ثمة حياة، في هذه الحياة.
صوت واحد يصرخ في وجه عربة المشمش والكرز المستفزة، يقلبها على ظهرها أمام الملأ، ويوزع الحبات على عيون الأطفال، التي خنقها الحرمان. صوت.. يطمئن جبين الأمهات أن رمضان المقبل، لن يكسر خاطر الأولاد، لن يلفظ شقاوة الترقب واللفلفة حول الموائد، ويمحو بعض تفاصيل القصة المعتادة، أن الشيطان غلبنا، فأكلنا بدون أن ندري!
صوت واحد يكفي، ليقف أمام جبروت الصراخ الغبي على رؤوس أرباب البيوت، يحشو بين تلافيف أدمغتهم، أوراقا ملفوفة كما "براشيم" الكسالى، تذكرهم لو نسوا لا سمح الله، أن موعد الانقطاع قد أزف، وأن هناك "مضطرين" جاهزين لحجب الخدمة عنهم، إن لم يقوموا بالدفع!
صوت يؤشر بكفه ناحية السارق، ويقول ها هو ذا، ولن أسامح في حقي منه طالما رأسي يشم الهواء.. صوت يعلو فوق اللوحات الإعلانية الضخمة، يلوح بساقيه في الفضاء، ويغيظ كل الشعارات التي "تنبذ العنف"!
يمسك بالطبلة والعصا، يوقظ النوام قهرا من سبات الكوابيس، على موعد أذان الفجر. صوت يأخذ بيد الشمس التي قررت أن تسامح، ويردها الى بيتها معززة مكرمة. ويناجي نجوم الظهر، أن لا تخجلي من اسمك بعد اليوم، فالنجوم التي تلمع في عز النهار، أشرف من التي تتحين فرص الظلام بكثير!
يكفي هذا الصوت أن يمر بين ضفائر الصبايا المحاذيات لأقرانهن على الدوار، ينعش الدماء في العروق، ويقرر بالنيابة عن الكثيرين، أن التغيير تجاوز مرحلة "أضعف الإيمان"، وبدأ يمتثل لسطوة الكلمة.
لا أعرف ما العيب في الصوت الواحد، ما دام نشيطا قادرا مستطيعا واصلا واثقا فاهما وفيا مؤدبا و.. كبيرا؟
ما العيب فيه، إن كان له دور آخر، غير أن تكتم أنفاسه.. في صندوق؟!!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب