تسأل نفسها بعد أن تطمئن أن الأولاد نيام تماما، ماذا اقترفت يا ربي تحت سمائك حتى ألقى ما ألقاه؟ تستغفر الله عشر مرات متتابعات وتقرأ آية الكرسي والمعوذات، لكن صوتا يقض مضجعها أن الامتحان شديد.. شديد. تستغفر ثلاثا وتمسح وجهها، ولا تنام.
في الصباح، والذي يشبه كل صباح، تستيقظ على صوت سيارة الخردوات، التي يبدو وكأنها تشتري الزائد على البيوت. وهي في الحقيقة تستولي على حاجات الدار الأساسية، من غسالات وتلفزيونات ومراوح وطاولات وكراسي، وترميها بلا رحمة، على ظهرها بعد أن يكون البائع الشاطر قد رمى ببضعة دنانير لا تكفي إفطار يومين، لأسرة من ستة أنفار!
بعد أن تنزاح سيارة الخردوات عن كاهلها، بدون أن تستوقفها هذا النهار، حيث لم تبق الا فرشات النوم التي استحالت غرفة جلوس وطعام ومكتبا للدراسة، يتناهى الى سمعها صوت مذياع الجيران، المفتوح على آخره على برنامج صباحي منفرج كليا على أغان وطنية، تستدعي حب البلد وتعطي لذلك ألف سبب وسبب. تنظر حولها تستدعي هي الأخرى أحد تلك المبررات، لتحب بلدها، فلا تجد شيئا واحدا وسط ضجيج أولادها الذين بدؤوا بالاستيقاظ واحدا تلو الآخر. تحاول أن تشيح بوجهها عن سؤالهم الذي يتكرر من أول يوم في رمضان، ماذا سنفطر اليوم؟ وحين لا تجد مهربا من الإجابة، تقف على حافة الشباك وتصرخ في الجيران أن يخفضوا جرعة الوطنية الزائدة هذا النهار، فيتلقفها صوت المذيع الذي يجلجل لروح الخير والرحمة التي تملأ قلوب هذا الشعب، خصوصا في شهر رمضان المبارك، حيث من دقيقة واحدة فقط اتصل أحد المحسنين، مشترطا عدم ذكر اسمه، وتبرع لمؤسسة إنسانية بخمسة آلاف دينار!
السؤال الذي يكرره المقربون منها عن عدم توجهها لوزارة التنمية الاجتماعية، لنيل حصتها من المعونة الشهرية، تعرف أن إجابته لا تشفي ضميرهم الغائب عن سد أقل احتياجاتها، والتي تعرف أيضا أن الأقل ذاك فائض جدا على موائدهم العامرة. هي ببساطة استفادت من دروس من سبقنها الى الأبواب، التي سدت في وجوههن لأن معاش الضمان الاجتماعي "المهول" يمنع عنها أي معونة إضافية، فقررت أن تلزم كرامتها وتجلس على قارعة بيتها، تفكر...
البرنامج الصباحي انتهى على خير ووئام، وعاد الجميع بعد الحلقة مسرورين مجبورين مرتاحين، وابتدأت مسابقة رمضان الإذاعية، والتي تضمن لكل متصل جائزة مقدارها خمسون دينارا، لمجرد أن يقول "آلو"! تضحك وهي تتذكر محاولتها رمضان الماضي في خوض المغامرة، حين اكتشفت سريعا أن بطاقة من فئة خمسة دنانير، انتهت حتى قبل أن يعبرها أحد من الاستديو!
تطوقها ذراع طفلتها المريضة بالسكر وتسألها إن كان الله سيسامحها هذا النهار أيضا إن هي شربت جرعة ماء، فتطمئنها أن الله يحب الأطفال كثيرا، ولا يحاسبهم على جرعة ماء.
وتنطلق بها الى العيادة الصحية، تسأل إن كان المستودع قد أمن الدواء، بعد أن طمأنها الأمين أن الأمل بتوفيره أصبح وشيكا، حتى لو تسربت أنباء عن انقطاعه من المستودع الرئيسي، "لعبة شركات" قالها الأمين بصوت خفيض، مع غمزة خفيفة بطرف عينه! وطبعا تعود هي بكف صغيرتها تجرجرها وراءها، وعيناها تبحثان بإلحاح على إعلان عن إحدى موائد الرحمن، في تلك الحارة الفقيرة بكل شيء، حتى في حاسة الانتباه. اليوم أيضا سيفطرون على ماء الحنفية، وتمر جارتها التي عادت من العمرة.
لا أحد في الشارع يسمع سبابها ولا بكاءها ولا حتى استغفارها الذي لم ينقطع، بعد أن كسرت صيام ذاك النهار، بسؤال إلى ربها: "لماذا"؟؟؟
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب