منذ أن تتعلم الحبو على ركبتيها، تنصب نفسها مديرة شؤون الأب، بداية من الولاعة وعلبة السجائر، نهاية بحذائه ومفاتيح سيارته... ثم تكبر وتكبر معها مسؤولياتها التي تتبرع وتبرع بتحملها واحدة فوق الأخرى، لتراوح منطقة رمادية ما بين مسمى الأم ووظيفة البنت. لأنها التي كان يسمح بتسللها الى غرفتك بدون استئذان، "لتكعكش" في أغراضك، وتطوي قمصانك، وتخبئ عن عيون والديك نتائج امتحاناتك المخجلة، ومنفضة السجائر الممتلئة، وأشرطة كاظم الساهر، وتضع تحت وسادتك مصروفها؛ لأنها تعرف أنك ستخرج بعد المدرسة مع أصحابك، لتلاحقوا زميلاتها في المدرسة!
انها التي كانت تتلقى بجسدها النحيل أولى الضربات بدلا عنك، بعد أن تقف حاجزا مرتجفا بينك وبين عصا الوالد. ثم هي التي تقسم بالله العظيم على صدق روايتك أمام الأهل، وتصوم وحدها ثلاثة أيام. وتهرّب لك صواني العشاء خفية عن أمك، لتساندك في اضرابك عن الطعام!
انها التي كادت أن تتورط في مصائب كبيرة، بسبب عملها كساعي بريد لنصف بنات الحارة، اللاتي احترقن بهواك. وهي نفسها التي نسيت أنها المعنية، حين كانت الواحدة منهن تسألك ان كنت ترتضي لها نفس المصير، بعد أن تدير ظهرك لدموعها.
كانت تقوم من فوق كتابها، لتكوي لك بنطالك في لحظة، حتى تلحق بموعد اللحظات الأخيرة. وكانت تفتح لك باب البيت فجرا، لتتسلل على رؤوس أصابعك وتنام بدون أن تقول لها تصبحين على خير!
انها التي كانت تدفع ثمن تفوقها عليك في المدرسة والجامعة، تحقيقا لا يتوقف بتفاصيل يومها، وشكا لا يرحم بسلوكها، وتدخلا سافرا بأسرار عملها، وهي مستسلمة لضعفك أمام قوتها، و"تفششك" أمام هدوئها، واحساسك بالظلم أمام حظها.
انها التي باعت مصاغها يوما، لتشتري مصاغا لخطيبتك، ودخلت في جمعية وراء جمعية، لتسد فجوات صنعها غرورك وعدم احساسك بالواقع، وتناست نفسها لتعلي من شأن نفسك، ولم تنتظر أكثر من نظرة وفاء من عينين لم تحفظا لون عينيها!
تعرف من هي؟ انها التي تحلف بحياتك ورأسك أمام زوجها، لتذكره أنها ليست وحدها في هذه الحياة، فلا يستهين بضعفها. وهي التي تبحث عن ملامحك في تقاطيع أطفالها، وشقاوتهم وحركاتهم، وتبتسم بصمت حين يركل صغيرها الكرة بقدمه اليسار مثلك.
انها التي كانت... كانت؟ بل ما تزال وستظل سندك الحنون الذي لا ينضب، ورائحة أمك التي ورثتها حبك والصبر عليك، ونكهة الطعام نفسها التي تشتاق اليها.
أصدقائي، أمانة عليكم، ان كانت على قيد الحياة كلموها اليوم لتطمئنوا عليها، وتطمئنوها أنكم في ظهرها، كما كانت يوما ظهرا يتلقى الغضب عنكم. وان كانت قد فارقت الدنيا، اطلبوا لها الرحمة، وتذكروها بنبل.. فهي هدية الله لكم من حيث لا تدرون، ولا يفتقدها الا من حرم من نعمة.. الأخت!
بقلم: حنان كامل الشيخ.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة حنان كامل الشيخ الآداب العلوم الاجتماعية