تعرفون محاضر الجامعة، الذي يجبر طلابه على التسمر أمام حكايات ومغامرات من المفترض أنه خاضها بصدره وحده، تتحدث عن بطولات فردية خارقة في بلاد الغربة؟ فهو الذي قال للبرفوسور اليهودي: لن تنال من قضيتي ولا من تاريخ أمتي، وسأقف لك بالمرصاد حتى لو كلفني ذلك طردي من الجامعة وحرماني من التعليم!
وهو الوحيد الذي رفع يده في محاضرة رئيس وزراء عربي زائر، وسأله عن الظلم والاستعباد والقمع الذي يمارسه على شعبه هناك! وهو بالضرورة الذي يجتمع في غرفته الصغيرة آخر الليل مع طلاب من كل الجنسيات، يستزيدون من علمه وذكائه ويستمعون لآرائه السياسية، التي غيرت مواقفهم من النقيض إلى النقيض، وأزالت غشاوة عن أعينهم سببها الإعلام الغربي وتغول الدعاية الصهيونية في الحياة العامة!
وتعرفون طبعا أن السيرة الذاتية لهذا المحاضر، عادة ما تكون زاخرة بمحاضرات ودورات تدريبية في دول "القمع العربي" التي كان يشتمها، وأنه شارك في مؤتمر لتنمية مفهوم التعايش السلمي في أوروبا، بصفته محاضرا مختصا إلى جانب زميل من "دولة اسرائيل".
وقبل أن تتدافع الأقلام لتتحدث عن أشخاص حقيقيين كانوا أبطالا وحيدين في دول الاغتراب الباردة القاسية، دافعوا عن قضايا أمتهم صورا ومعارض وندوات وصراخا ومظاهرات. وشرفوا أسماءهم وأسماء أهليهم وبلادهم أدبا وخلقا وعلما وتواضعا وحبا، دعوني أقول فقط إنهم كثيرون أعرف، لكنهم أبدا أبدا لا يستمتعون بممارسة الاستفراد على خلق الله، لينالوا حظوة التكريم في أعينهم المنفرجة بالإعجاب، وشهيق صدورهم المكتوم بالاستغفال.
طيب .. تعرفون الزوج الذي يدخل بيته، محفوفا بهالة من التعب المرسوم، والنظرات التي تشي بحكاية فظيعة سيرويها لزوجته وأولاده المعتادين على قصص شجاعته أمام مديره الذي أسقط بيده وهو يتلقى أوراق المعاملة على وجهه، مرفوقة بشتائم تذكره ببشاعته وفساده وتسلطه، أو قصص الخطط الاستراتيجية التي يضعها أبوهم سرا، ويهديها على طبق من فضة لعطوفة المدير الذي عين بالواسطة والمحسوبية، ليضع اسمه عليها بعد أن اضطر للاستعانة بخبرته وعلمه وسعة صدره، وبالمرة قدرته على كتمان السر!
أو مثلا .. الشاب الذي يتسيد جلسة الأصدقاء، يتعمد عدم الخوض بتفاصيل علاقته الجديدة، ليثير رغبة أصحابه في المعرفة، ويضطرهم لأن يقدموا فروض الولاء والطاعة، فقط ليعرفوا أكثر. وهذا الأكثر عادة ما يكون صورة عادية جدا على هاتفه الخلوي، أو رسالة نصية تتضمن سؤالا واحدا "وينك"!
أو المرأة التي تتحالى أمام صديقاتها في الفطور الصباحي، على قدرتها في تطويع زوجها كخاتم في إصبعها، تأمره فيجيب، تنهره فيقول هل من مزيد!
حالة استفراد غريبة، تطفو على سطح حياتنا ومجتمعاتنا، نعاني منها مرة بصفاء نية ومرات بطول بال، نقبل أن نكون فيها الجزء المتلقي لإرهاصات وعقد المستفردين، ومعاناتهم الداخلية في القمع الذي يمارس عليهم في واقعهم، فيصدرونه لنا قمعا سمعيا وبصريا ونفسيا، عادة ما نتقبله بسبب الحاجة أو الضعف أوالحب!
إعادة إنتاج القمع في تلك الأمثلة، لا يكون عنفا أو مكرا، يمكننا تميزه والتعامل معه بوضوح. لكنه مرض عضوي ونفسي، يدمر العلاقات الاجتماعية، ويكرس قاعدة معلوماتية قائمة على عدم الثقة بكل ما يقال. وعادة ما يتم الاكتشاف متأخرا، حينها تتزعزع الثقات، وتنهار البطولات، وربما حتى يعاد إنتاج الخيبة مجددا على خلايا ما تزال طرية وبريئة!
ما الحل؟ لا حل، طالما في الدائرة مستقبلون متطوعون وقادرون على التحمل، ومضطرون لحين انقضاء الحاجة!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب