مَن منّا لا يريد أن يبحث عن شيء ما، أضاعه في زحمة الحراك اليومي السريع، وامتصاص الجدران الاسمنتية لأصوات حلمه البعيد؟ من منا لا يتكئ اليوم على أزرار الجهاز "لمن يملكه طبعا"، ويبدأ في رحلة "البعبشة" عن ماض تركه قليلا على ناصية الطريق، وكان قد وعده أنه لن يتأخر عليه كثيرا، فهي بضع ساعات أو أيام، ثم يعود؟ من منا لا تطرب أذنيه أخبار من عثر على أبويه أو إخوته أو حتى حيوانه المدلل، عبر اعلان بسيط ومؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي، كما فعلت مؤخرا "جنيسا سيمونز"، الشابة التي وجدت عائلتها البيولوجية من خلال بضع كلمات على جدارها في فيسبوك؟ 

نحن أيضا أضعنا أهلا وأصحابا وجيرانا وذكريات وعهودا، كانت في يوم ما أقرب الينا من حواسنا الخمس، وأصدق في براءتها من مفرداتنا كلها، التي نتشدق بها أشعارا وشبه أشعار، نطلقها ثم ننتظر ردود الفعل المجاملة جدا، لمحاولاتنا الشابة؟!

أراقب بتهور وخبث أحيانا بعضا من تلك المفقودات، التي يتم الاعلان عنها جهرا أو تورية ما بين السطور. تأخذني بعيدا مخيلتي لصور ناشريها، وأتصورهم وهم أصغر سنا، وأسرع فعلا وأقل حكمة! أتخيلهم وهم بملابس السبعينيات أو الثمانينيات، وتسريحات الشعر الغريبة الجميلة آنذاك، يناضلون من أجل شيء ما، وطن، حب، انعتاق، فكر، حلم. يناضلون بصدور مفتوحة الأزرار، وياقات عريضة، وفساتين فضفاضة، وألوان قليلة. يناضلون بإيمان وعزيمة وأغنيات يعزفها مترفون منضمون إلى جوقة رفاق السلاح والحزب والحب أيضا.

أضحك ملء دهشتي على جمل وعبارات لا يفهمها إلا القلة القليلة ممن واكبوا مرحلة ما، ومع أنني كالكثيرين لا أفهم المغزى بالضبط، لكنني أشعر بالغبطة أنني التقطت اشارة من زمن كان لي فيه عبارات خاصة أيضا، لا يفهمها إلا قليلون!

حتى الصور التي يتم نشرها أحيانا، أتخيل أنني كنت جزءا في قصة مشوارها، أو أنني مررت ربما بجانب الطريق، الذي وقف عليه هؤلاء، وعكرت عليهم صفو التقاط اللحظة، متعمدة ربما أن أكون جزءا من هذا التاريخ، فيما بعد.

من منا لم تنفلت من بين يديه أيمان، كان قد أقسم عليها لفظا أو صمتا إلى حين؟ ثم حين التهت كفاه بما هو "أولى"، سقطت تلك الأيمان على الأرض، وسمح للدنيا أن تدوس عليها.. بقدميه؟! 

وحين سنح له العمر أن يختلي أخيرا بملله، وزهده بكل ما يحيط به، نجاحا أو مالا أو ولدا، واختُصرت مطالبه في الصحة و الستر، بدأ يتذكر كلماته التي صدح بها شبابه، وأمنياته التي لا تشبه بالمرة، واقعه الذي يعيش.

من منا يقر أن ما يفعله ليس عيشا كما كان يعرف، أو كما علمته الكتب "أيام ما كنا نقرأ"!

"جينسا" محظوظة أنها وجدت والديها أخيرا وحصدت آلاف المشاركين والمعجبين بصفحتها. أما نحن، فنستحي أن ننشئ صفحة مكتوب عليها "أين عمري"!


المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب