اتصلت بي صديقتي الإعلامية الجميلة رولا أبوالروس، مستهجنة إعلانات بعض المولات في الصحف المحلية، والتي تروس دعاياتها التخفيضية، بعبارة "بمناسبة عيد ست الحبايب". قالت إنها باتت تفهم أن طناجر التيفال وأطقم الكاسات وفناجين الشاي، صارت بعرفنا هي هدايا عيد الأم. لكن كيلو الكوسا، والملفوف والليمون والفول الأخضر، هذا لا تفهمه مطلقا!
طبعا بعدها ضحكنا على الإعلانات التي لا تتبدل إلا بتغيير الترويسة، حسب المواسم والأعياد. ولكنني حين أقفلت الهاتف، فكرت بالأمر مجددا فوجدته معقولا جدا! نعم.. فنحن شعوب اعتادت أمهاتها أن تعبر عن حبها لأولادها بالطعام! فمن منا لا يتذكر رائحة طعام أمه التي علقت بذهنه كأشهى الروائح على الإطلاق؟ من منا لا تجرجره والدته إلى المطبخ، كلما همّ بزيارتها لتسخن له من أكلها، حتى لو أقسم أنه تناول وجبته متأخرا؟ وحين تيأس، تحمله طبقا لبيته!
أمهاتنا عودننا على ذلك النوع من الحب، المقدم مع الطعام. واجتهدت خيالات الكتاب السينمائيين كثيرا، لتفسير العلاقة بين الطعام والعاطفة، عبر عدة أعمال عالمية، لكننا اختصرناها هنا بتفسير واحد أطلقنا عليه اسم "النفس"!
عموما، وليس بعيدا عن موضوع الهدايا، الذي يؤرق كثيرا من الرؤوس هذين اليومين، دعونا نعترف أن أمهات كثيرات يعشن بيننا، يفرحن كثيرا بهدية الذهب، فقط لأن الواحدة منهن تمرر يومين أو ثلاثة بعد العيد، وتركض للسوق لتبيع هديتها، حتى تسدد قسطا عن واحد من أبنائها المساكين. وغيرها تتناول الهدايا المالية بيدها اليمين، وتدسها بحقيبة إحدى البنات المتعثرات، بيدها الشمال.
الأمهات يعرفن كيف يدرن مداخيلهن المالية والعينية، بذكاء يعلم وزراء المالية عندنا، دروسا في الخروج من الأزمات المالية الخانقة، بدون التعدي على جيوب، لا علاقة لها بأصل الأزمة!
كثيرة هي المسائل التي يمكن استذكارها في هذا المقام. إنما الذي أحيانا ننساه بدون قصد، أن أمهات أخريات يعشن بيننا، يمتلكن الصفات السابقة نفسها، وقد مارسن أقسى درجات الأمومة معنا ومع أولادنا، وهن لم ينجبن قط!
خالات وعمات وزوجات أعمام وأخوال وحتى جارات، ممن حرمن من نعمة الحمل والولادة، هن أمهات حقيقيات بحبهن ورعايتهن وسهرهن، على أطفال غيرهن من النساء، بقصد التخفيف عنهن تعب التربية والمتابعة، أو بقصد ملء فراغ الأمومة، التي حرمن منها.
أخوات مر قطار العمر من أمامهن، بدون أن يسمعن صفيره، لانشغالهن بتربية إخوانهن اليتامى، أو حتى غير اليتامى، فكن أحن على الأطفال من أمهاتهن، في ساعات طويلة، ولكنها لا تنسى.
أمهات صغيرات وكبيرات، في ملاجئ الأيتام، كرسن حياتهن كلها للعناية بأطفال محرومين من الحنان، قسرا وظلما، فكن خير أمهات "غالبا" لأجيال متعاقبة من تلك الفئة المحرومة المسكينة.
دعوني أتجرأ وأقول.. آباء! نعم آباء، مارسوا دور الأم الحقيقي، بمهارة عالية، تتفوق على النساء في مفاصل عدة. آباء ترملوا على صغار، خافوا عليهم جور زوجة الأب، وفضلوا أن يؤجلوا حقوقهم في الحياة إلى أجل غير مسمى. وآباء آخرون، يمارسون الدور نفسه، رغم "وجود" الأمهات على قيد الحياة! فنحن نعرف أن بعضا منهن، لا يلتفتن إلا لأشغالهن ومستقبلهن المهني فقط، ما يدفع بعضا من أزواجهن، لحمل الراية عنهن، خوفا على مصير الأولاد من الضياع.
لكل هؤلاء، ولكثيرين لا نعرفهم بسبب نكرانهم لأنفسهم، واقتران أعمالهم الجليلة بالصمت والكبرياء، أقول لهم: كل عام ونحن أكثر فهما للخير.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ