اليوم قرر المواطن "س" أن يتمرد على كل شيء يخصه. حتى "س" تلك، ها هو يلفظها من سطره الأخير على الصفحة، ويعمد إلى التوقيع باسمه كاملا، كهل في الخمسين من عمر قضاه مطأطئ الرأس، عاقد الحاجبين ناعس الجفنين، اشتم وهو ما يزال يخطو أولى خطواته، بقايا من رائحة البارود، على قميص والده المخبأ في الصندوق الخشبي، إلى جانب بعض الأوراق وسلسلة مفاتيح وثوب مطرز عتيق لجدة لم تكحل عينيها برؤيته، قبل أن تموت. ما تزال تلك الرائحة تعبق في أنفه، وتكاد تزكم أنفاسه، كلما حاول أن يقترب من ماضيه، ليفتح الصندوق، الصناديق المغلقة على أسرار، ما عادت أسرارا بعد، ليس بفضل شجاعته التي تخونه كل مرة، إنما لأنه قدر له أن يعيش ويرى بأم عينه، كيف صارت الدنيا فجأة، وعلى غفلة من سكونه واستسلامه، مفتوحة على الغارب، حيث لا أسرار بعد اليوم.
 
اعتاد ومنذ أن "خبطته" الدنيا كفها الأول، أن ينتحل اسما وأفعالا شتى! اعتاد أن يكذب على الآخرين الذين تعمدوا أن يكذبوا عليه، ويكتبوا تاريخا لا يعدو عن كونه قصائد من ورق، تطيل عمر الأمل، في العودة إلى الديار التي تركتهم، ولم يتركوها، في ملحمة أطلقوا عليها كل المسميات، إلا اسم الهزيمة.
 
هم أنفسهم الآخرون الذين تجرأوا على رسم خريطة حياته "بالمللي"،  فلا يتركون له حاشية يحيد إليها، حين يقرر أن يهرب من ضغط الكذب العالي، سمى نفسه "س"، وبدأ لعبته في إرسال البرقيات والرسائل، والأفكار والقصائد وحتى الشتائم، التي تطلبت وقتا طويلا قبل أن يتشجع ليكتبها، بدأ بجارهم القديم، ووضع له رسالة عبر فتحة الباب، توضح له أن مسقط رأس المذيع ماجد سرحان هو حلحول وليس نابلس. ثم بقصاصة مرتجفة وسريعة، داخل صندوق جريدة دكان "أبوعلي" مكتوب عليها "ويل للمطففين". وتبعتها رسائل عظات وتهديدات، على طاولات الأساتذة وأبواب الحمامات ودفاتر زميلاته في الجامعة.
 
كم كان منتشيا بردود الأفعال الغاضبة والخائفة والمرتابة. كم كان فرحا بالتخمينات والاتهامات والمشاجرات. كم كان منتصرا بالارتباك والشك والقلق. كم كان مهزوما، مهزوما يرتعد تحت لحافه، يحاول أن يخنق بوسادته قهقهات تستهزئ من جبنه، وتهدده بالفضيحة، مهزوما من صوته الذي يخذله كل مرة، أمام سلطان جائر أو محاور جاهل أو عشق ممنوع!تطور نشاطه مع الزمن إلى بريد القراء وإيميلات الكتاب، وصفحات الفيسبوك. والمشكلة أنه لم يكتب شيئا ذا قيمة، أو يصلح للنشر. مما أثار حنقه أكثر فأكثر على "الكاذبين الجدد" الذين يخافون من آرائه وطروحاته وأفكاره، هكذا يلقن نفسه كل ليلة قبل أن ينام.
 
اليوم، وعلى غفلة من زمانه السقيم، قرر أن يخلع عن نفسه عباءة أثقلت كاهله وضميره وجنونه المتفجر. اليوم أباح لروحه أن تتعرى أمام حقيقته، أمام تاريخه الأصلي، أمام الجزء الآخر من الرواية.
اليوم قرر أن يكشف عن نفسه وكذبه وألاعيبه، وأن يواجه هزيمته بهزيمة أذكى وأحلى، لا يتصبب جبينه عرقا منها.
 
ها هو يتنحى بكرامة عن وظيفته ك "س"، ليترك الباب مشرعا لـ"ص" و"ع" و"ك"، الذين تقهقرت كذباتهم حياء أمام رواياتهم شبه المقدسة، والمشفوعة بالصوت والصورة والشهادات الحية، في زمن لا يحترم العقل، ما دامت العين هي التي تصدق!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب