الأمر الذي قام به سامر العيساوي، لا يعتبر درسا لأحد طالما لا أحد يشبه سامر في شيء أساسا!
فمثلما نسمع ونشاهد عن حالات إنسانية إعجازية، في حقول العلم والموهبة والذكاء، سطر سامر لنفسه استثناء خاصا جدا في حقل البطولة، في قيد الرجولة.
وإن كان ثمة مثال يحتذي به أولادنا، في غياب الأمثلة العربية والنماذج القومية، أعتقد أن البقاء على قيد العزم والأمل لمدة تسعة أشهر متواصلة من أجل الحرية، قصة جديرة بالاهتمام الإعلامي والتربوي والأسري المعرفي، من أجل أبناء وبنات فقدوا الثقة بنا.
فحتى ثورات الربيع العربي للأسف الشديد، لم تستطع أن تصمد على مبادئها الأولى وتبقى تعض على نواجذ العناد، لهذه المدة التي لا تقاس من عمر الثورة. تلك الثورات التي آمنا بها بكل ما أوتينا من تعب الأيام، وغلبة الظلم وجهد الحلم. تلك الثورات التي اندفعنا وراء شعاراتها العادلة، ودفعنا أولادنا لكي يرددوها وراء أبطال من ورق "لاحقا اكتشفنا هذا"، لم تحقق لنا ولهم انتصارا ينعش قلوبنا الظمأى. إنما سامر العيساوي، حكاية أخرى!
والغريب أن الأسير الفلسطيني الذي رفض العروض المغرية وغير المغرية، مقابل شربة ماء تحيي عروق الاعتقال والمعتلقين، والمغتاظين من صموده الأسطوري، قبل أن تعيده هو إلى حياته التي قضى أحلى سنواتها في الزنزانة؛ هذا الأسير لم يحظ، حتى كتابة هذه السطور، من قبل المؤسسات الإعلامية، ما عدا الإخبارية طبعا بسبب القيمة الخبرية، بالإحاطة والتعميم التي توليها هذه المنابر لمن هم أقل مركزا في تراتبية الأعمال البطولية، من أمثال الرياضيين والمجازفين "تجربة فيلكس وقفزته التاريخية مثلا".
فتحقيق أعلى رقم في الأهداف الكروية لـ"ميسي" أو "رونالدو" لهذا الموسم، أو الطلات الغريبة التي يظهر بها نجوم البوب مثل "مايلي"، أو أشهر فضائح النجوم للعام 2013؛ هذه الأخبار التي تركز عليها برامج قنواتنا العربية الموجهة لفئة الشباب والمراهقين، لم تأت على ذكر قصة سامر، ولو على سبيل المجاملة التي تحرص أن تظهرها تلك القنوات أحيانا، للقضية الفلسطينية!
وحتى أمعن في سلخ ذواتنا أكثر، سأعترف لكم أن غالبية الأهالي أيضا لم ترع هذه التجربة الفريدة من نوعها، حق رعايتها أمام أولادهم، معتبرين أن الموضوع سياسي بحت، فيه معتقلون وزنازين وفلسطين ومش فلسطين، وهم بصراحة لا ينقصهم!
رغم أن القضية لو تم ذكرها لماما وبشكل مجرد، من قبل الآباء والأمهات، لوجدوا عند أولادهم ردود فعل غير متوقعة أبدا صدقوني، فقط لأنهم يريدون أن يتباهوا أمام الناس ببطل عربي واحد. وعلى ذكر العربي، أعتقد أنه من المعيب جدا على قنوات عربية خاصة كنا وما نزال نتابع أخبارها وبرامجها، بسبب اهتمامنا غير المحدود بالأحداث التي تجري في مصر وتونس وليبيا مثلا، من المعيب أن لا يأتوا على ذكر قصة سامر العيساوي، لأنها ببساطة ترفع أسهم الفسطينيين، لدى منابر "أعلامسياسية" برعت في إهانة هذا الشعب، وتحميله وزر الأخطاء والعثرات التي لا تريد أن تنتهي.
ما علينا! الوقت لم يضع بعد لنا كأسر عربية، أن نعيد لأنفسنا وثقتنا بها بعضا من الفخر والعزة والحياة، ودعونا نحدث أبناءنا وطلابنا اليوم عن حكاية سامر العيساوي، صاحب أطول إضراب عن الطعام في تاريخ البشرية، والذي أصر على أن تكون عودته لبلدته العيسوية في القدس المحتلة، ليتحول إلى رمز عالمي أممي للنضال، لا يقل أهمية من وجهة نظري، عن تجارب قليلة مشابهة كنلسون مانديللا وتشي غيفارا وجميلة بوحيرد. فحتى لو دبر الكيان الصهيوني مقلبا لئيما، لمن ينتظرون خروجه بفارغ الصبر والقلق، فذلك أجدى أن نعلم به أولادنا بل ونمعن في إعلامهم، ليعرفوا معنى القهر، بعيدا عن ضياع فرصة تسجيل هدف لـ"كاكا"، أو نفاد حقائب "كيتي" في موسم التنزيلات!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ