لا أجد معنى يفسر ظاهرة استباق الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، قبل أن يأتي الصبي، التي بدأت تجتاح مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة، حتى كرست نفسها عرفا مقبولا به من قبل الناس الذين لم يكن يعجبهم العجب، ويقفون بالمرصاد لأي هفوة تسقط الواجب الاجتماعي أو الاحتفالي المنوي القيام به.
 
اليوم سأعرض على حضراتكم مشهدين يختصران الفكرة التي كانت مرتبطة بشكل جذري بالعادات والأعراف والتفكير المنطقي حتى، لكنها تحولت مع عصر السرعة التكنولوجية، و"التسونامي" الذي اجتاح حياتنا ممثلا بوسائل الاتصال والتواصل، إلى بقايا عتيقة يتم التعامل معها اليوم، باللغة التي تتناسب والسرعة الجنونية في عملية التلقي والإرسال.
 
المشهد الأول يتحدث عن الجاهة العشائرية والأسرية التي اتفق على دورها الطيب من قبل الأهالي، الذين يحترمون إملاءات المجتمع وأعرافه، عن طيب خاطر بل وبفخر واعتزاز، خصوصا حين يتعلق الأمر بدور الجاهة في الخطبة والزواج.
 
ففي زمن ليس بعيدا، كان لفكرة الجاهة القادمة لخطبة فتاة ما، دور رئيسي ومكين في عملية إتمام الزواج، بدءا من التقدم بطلب الارتباط، ونهاية إلى التدخل في الخلافات ما بين الزوجين حتى بعد مرور سنوات على إتمام عقد القران.
 
وكانت العائلات تتباهى بعدد أفراد الجاهة القادمة أو المستقبلة، كما كانوا يتباهون بأسماء رؤوسها وأعمدتها.اليوم، يتقدم العريس أولا إلى أهل الفتاة وحده، بدون حتى والديه في كثير من الأحيان، ويتم الاتفاق المبدئي على الشروط والطلبات، المنتهية أساسا من قبل الطرفين، أي الشاب والفتاة، بحيث تكون الخطوة إعلامية للأهل لا أكثر.
 
ثم وبعد أن تتعرف الأسرتان على بعضهما، وتكتشفان أن لا دخل لهما في تفاصيل الزواج اللهم الدور التمويلي لإخراج المشهد بالطريقة التي تناسب وضع العريسين وأحلامهما المشتركة، يذهب الأهالي إلى المحكمة الشرعية، لإتمام عقد القران هناك.
 
عندها أو بالأحرى بعدها يأتي دور الجاهة الكريمة!طبعا الذي لم يتغير في موضوع الجاهة تلك هو المباهاة بعدد أفرادها وأسماء أعمدتها، أضيف عليه بفعل التكنولوجيا، الصور المرافقة لرجال يبتسمون أمام الكاميرا، يسلمون على بعضهم ويأكلون الكنافة!أما من تعرف على من؟ فغير مهم، من تقرب إلى من؟ ليس إشكالا، من هم أهل العروس؟ جماعة من بلد كذا، ماذا يعمل العريس؟ سمعنا أنه مهندس في السعودية.
 
هذه هي للأسف مخرجات الجلسة الصورية الشكلية المستعجلة لجاهة زواج، تتقدم بعد عقد القران.
 
أما فكرة "شعوبا وقبائل لتعارفوا"، لم تعد تناسب شباب اليوم، ولا أهلهم أيضا.المشهد الثاني، ولو أنه أقل إيلاما من الأول، بما يحمل من طابع كوميدي خفيف الظل، لكنه يستحق الوقوف عنده قليلا. لأنه من المضحك فعلا والمستغرب أيضا أن تتم حفلات التخرج المدرسية، لطالبات وطلاب الثانوية العامة، قبل الدخول في مرحلة الامتحانات أصلا!مواكب وراءها مواكب تشهدها وتشهد عليها شوارع عمان والمحافظات، لخريجي المرحلة الثانوية وهم بعد على مقاعد الدراسة.
 
احتفالات في قاعات كبرى بحضور الأهالي والأصدقاء، يمارسون طقوس التخرج بالكامل، غناء وفرحا وبكاء أحيانا، قبل الهنا بسنة! والغريب أن أكثر السعداء بالاحتفال وأنشطهم على صعيد التعبير عن الفرحة، صراخا وألعابا نارية وجلوسا على حفف السيارات وتلويحا للمارة، هم ممن لم يحالفهم الحظ كثيرا في الدورة الأولى للامتحانات.
 
والسؤال هنا، ما المغزى من إقامة هذه الاحتفالات، من قبل إدارات المدارس الخاصة طبعا، لأن المدارس الحكومية لا تملك هذا الترف الاستباقي؟ لماذا يحتفلون بالأولاد والبنات وهم بعد لم يتخرجوا من المدرسة حقيقة؟ هل وصلت الأمور بإدارات المدارس تلك، أن تضغط على الأهالي ماليا ونفسيا، لتضمن لنفسها أكبر قدر ممكن من المشاركة، حتى لو كانت من قبل أولاد راسبين.
 
هذا الأسلوب الاستعجالي يكرس نفسه نمطا سلوكيا مجتمعيا، يتعامل مع المدخلات المنطقية للبناء كقضية شكلية، تتفوق عليها المظاهر المزيفة للصورة المقدمة للآخرين. أما أسس البناء وأعمدته الأساسية التي سيستقيم عليها، فهي تحصيل حاصل!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب