راشيل كوري فتاة أميركية رقيقة ومناضلة أممية صلبة، هرست جسدها جرافة اسرائيلية عام 2003 فوق الرمال، وهي تعترض بجسدها طريق الآلة العملاقة التي تحاول تجريف بيوت الفلسطينيين في القطاع، تعود راشيل على هيئة عروس البحر وكل العالم يسير في زفّتها المظفّرة إلى غزّة.
أي مشهد ملحمي هذا لمسيرة السفينة الايرلندية، وقد فرشت لها طريقها معمدا بالدمّ مرمرة التركية، كان لا بدّ للصدف أن تقرر تأخير راشيل لأن ثمن العبور العظيم للعروس النازلة من برج سماوي هو أضاح بشرية غالية، ينحني لها العالم وينكسر لقدسيتها جبروت القوّة الغاشمة.
نكتب والسفينة التي رفضت كل العروض، غير مواصلة الإبحار إلى غزّة، ما تزال متوقفة في عرض البحر. وآخر الأخبار أن القوات الإسرائيلية سيطرت عليها وتجرها عنوة إلى ميناء أشدود. السفينة تتحول إلى رمز لقضية شعب تحت الحصار ينشد الحق الطبيعي الأولي للبشر جميعا في الحرية والحياة الكريمة. هذه معركة ستخسرها إسرائيل في كل الأحوال، وكيفما انتهت قضية السفينة كوري فالمدد الأممي لن يتوقف، والعالم كله يطلب إنهاء الحصار، حتى الناطق باسم البيت الأبيض يقول إن الحصار لا يمكن تحمّله، وإن "العالم أجمع يريد تجنب مواجهة جديدة وعدم تكرار الأحداث المأسوية التي حصلت الاثنين". ولا تجرؤ اسرائيل على استخدام العنف مجددا والمبررات الأمنية الاسرائيلية لا تصمد، فالجميع يعلم أنها حمولة انسانية ويمكن لأي فريق دولي أن يكشف عند اي نقطة، في ميناء غزّة أو قبرص أو عرض البحر، على عدم وجود أي أسلحة. وهناك موقف من الشرعية الدولية بأن الحصار غير شرعي، وثمّة اتصالات دولية لبلورة صيغة لتغيير الوضع القائم، فرضتها تضحيات المناضلين التي استقطبت الرأي العام العالمي. التضامن الأممي يتجدد بصورة رائعة. وميزان القوى الدولي يتغيّر أيضا وسياسة تركيا الشرقية تزكي نفسها على غير توقع، ومن بوابة شعبية بشراكة الدمّ وفي أقدس قضية للعالمين العربي والإسلامي وهي القضية الفلسطينية.
إسرائيل مكشوفة في هذه اللحظة في قضيّة عادلة تسير حتما باتجاه لا بديل له، هو إنهاء الحصار، والموقف إنسانيا وسياسيا سيحمل كل القضية الفلسطينية إلى مستوى جديد دوليا. وفي الأثناء يتوجب العمل بلا تردد على إنهاء الانقسام الفلسطيني، لإعادة ربط القطاع بالضفّة، فلا يبدو إنهاء الحصار وكأنه تكريس لدويلة غزّة. يجب أن نقول لحماس إن ردود فعلها على نداءات الوحدة ما تزال ضبابية وغير مريحة. وحرام أن يتمّ تفويت المناخ المواتي هذه الأيام لدفع القضيّة الفلسطينية خطوات الى الأمام. حماس تعلم جيدا أن سلطتها في غزة ليست مهددة أبدا، بموجب الورقة المصرية، والقضيّة الحقيقية والوحيدة هي أنه ينبغي في النهاية تجديد السلطات الشرعية التي انتهت ولايتها، أي الرئاسة والمجلس التشريعي، وحماس تعي الآن أهمية الرأي العام والموقف الدولي والأساليب الذكية والصحيحة لإدارة الصراع من أجل أعدل قضيّة في العالم. وبهذه الدروس تستطيع ان تعود الى شراكة تحمي وتحمل المشروع الوطني.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة