اثنان من قادة الفكر رحلا عن دنيانا أمس وأول من أمس، هما المفكر المصري "الإشكالي" نصر حامد أبو زيد والعلاّمة المرجع الشيعي الشيخ محمد حسين فضل الله.
هل من سبب لوضعهما معا في هذه الوقفة غير تزامن وفاتهما؟ نعم، رغم البون الشاسع بينهما، فالأول مفكر أكاديمي مرموق والثاني مرجع ديني كبير، لكن الاثنين دفعا ثمن نهجهما الإنساني والنقدي المتنور فيما كتباه، كل من موقعه الخاص. الأول اضطر للهجرة من مصر هربا من الاضطهاد. والثاني تمّت تنحيته عن القيادة الروحية لحزب الله في لبنان وتهميشه وعزله وقد نجا من أكثر من محاولة اغتيال.
لقد مثّل فضل الله حالة متقدمة في آرائه الفقهية ورؤيته التحليلية النقدية المسكونة بتحديات الحاضر والرافضة لنهج تمجيد السلف وتجميل الماضي. كان هاجس فضل الله هو ما يحفل به الواقع الإسلامي الراهن من تناقضات وملابسات ومشكلات، فيسعى الى اكتشافها وتحليلها ونقدها، وقد عرف بفتاواه الجريئة ودعوته للانفتاح والحوار وتحديث التفكير الديني. وقد عارض مفهوم ولاية الفقيه واختلف مع حزب الله، وكان يتمتع بتقدير واحترام مختلف الطوائف والتيارات.
أمّا قضية نصر حامد أبوزيد فهي نموذج لنكبة الفكر العربي والإسلامي في زمننا الراهن. لم يكن هناك أساس قانوني لتطبيق عقوبة حدّ الردّة، فرفعوا عليه دعاوى الحسبة، ونجحوا فى الحصول على حكم قضائي بالتفريق بينه وبين زوجته الأستاذة بجامعة القاهرة ابتهال يونس، الأمر الذى دفعه للهجرة من مصر.
كان أبوزيد مفكرا جادّا وباحثا في الفكر الإسلامي، نشأ في أسرة فقيرة ولم يتمكن من إكمال تعليمه الجامعي، إلا بعد أن اشتغل سنوات وحصّل أعلى الدرجات في الليسانس والماجستير والدكتوراه.
اشتغل أبو زيد في التدريس، وكان استاذا زائرا في عدّة جامعات، وله عدة كتب منها "الاتجاه العقلي في التفسير.. دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة"، و"دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي" وهما رسالتاه للماجستير والدكتوراه.
وله أيضا كتب "مفهوم النص.. دراسة في علوم القرآن" و"الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية" و"نقد الخطاب الديني" و"دوائر الخوف.. قراءة في خطاب المرأة". ونال أبو زيد عدة أوسمة وجوائز في العالم العربي وخارجه وآخرها جائزة "ابن رشد للفكر الحر" في برلين، والتي تحمل اسم الفيلسوف العربي الشهير.
جادل أبوزيد في سلطة النصّ والتأويل ولم يجاهر أو يدعو أبدا إلى الإلحاد أو الخروج على الدين، لكنه تعرض لتهديدات بمواجهة مصير المفكر فرج فودة أي الموت اغتيالا. وقد لخص الاضطهاد الذي تعرض له الصورة البائسة للتدهور الذي وصل له الحال في مصر، بلد الريادة للفكر والثقافة، أو وفق عنوان أحد كتبه عن حال "التفكير في زمن التكفير".
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة