ساد لفترة طويلة خطاب واقعي يستسلم لسلبيات النيابة وتدني مستواها، وفي المقدمة مفهوم نائب الخدمات، وتدريجيا أصبح الجميع جزءا من هذه العملية حتّى أصبح تخصيص كوتات خدماتية للنواب شيئا عاديا مثل كوتات الحج والوظائف والمساعدات العلاجية وحتى المساعدات المادّية، وهي فكرة مذهلة في خطئها وفسادها، فالنائب الذي يحصل على كوتا بضع عشرات من الوظائف من الفئة الرابعة لا يجري مسابقة ولا يعين لجنة فحص لإعطاء الوظائف لمستحقيها، بل يوزعها بمزاجه على أناس بعينهم دون بقية الناس، وهذه ذروة المساهمة في الفساد وتدمير المؤسسية وحقوق المواطنة المتساوية.
لم يكن مجديا تغليف هذه الواقع بالترويج اللفظي لشعار الانتخاب على أساس الكفاءة والأهلية، وقد أصبح الجمهور لا يعرف من النائب سوى التوسط من أجل خدمة ما، وعلى ذلك لم يعد من فرق بين مرشح وآخر سوى درجة الاستعداد للتجاوب مع طلبات التوسط والحصول على منافع من أي نوع، وفي هذا فليتنافس المتنافسون، لا فرق بين تاجر شنطة أو مدرس قانون دولي، بين سياسي يحمل برنامجا ورؤية أو رجل لم يخطر على باله يوما الاهتمام بالشأن العام.
وكان طبيعيا والحال هكذا أن تتراجع نوعية النيابة ومستواها، وأصبح ذلك لافتا حتّى للمراقب الخارجي ولضيوف الأردن أو مستضيفي الوفود النيابية الأردنية.
وهكذا أيضا لاحظنا من دورة لأخرى تراجع إقبال الشخصيات العامّة الأكثر تأهيلا وخبرة وثقافة عن التقدم للانتخابات النيابية، مثلما تراجعت سويّة الانتخابات نفسها، وكانت وجهة نظرنا دائما بضرورة استدراك الأمر بإصلاح يعيد للانتخابات مكانتها وقيمتها، ويعيد للنيابة احترامها ودورها الحقيقي، لكن الحكومات تباطأت حتى وصلنا الى 2007، وشهدنا أسوأ انتخابات من نوعها. ولهذا التأخير استحقاقات سندفع ثمنها صعوبة مضاعفة في إصلاح الحال وإنقاذ النيابة من التدهور الذي وصلت إليه، واستعادة الثقة بالعملية الانتخابية وتغيير سلوك المرشحين والناخبين..
القوانين والأنظمة يمكن أن تمنع الانحراف والفساد، لكن عندما تتأخر كثيرا ويصبح الفساد ثقافة عامّة سائدة وسلوكا مقبولا فإن استدراك الخراب يصبح أكثر تعقيدا وصعوبة. وهذا هو حال الانتخابات الآن. فنيابة الواسطة والخدمات الشخصية هي في الحقيقة من أشكال الفساد الذي وصل في أقبح أشكاله إلى بيع الأصوات، أي بدل تسليف الصوت على أمل الحصول على خدمة لاحقة تصبح المقايضة أكثر صراحة ومباشرة.. البيع نقدا بدل التسليف.
هناك رغبة في التغيير وإنقاذ النيابة مما وصلت إليه، وعلى ما أرى في الميدان فذلك ليس سهلا، ولن يتحقق في دورة انتخابية واحدة، وهو ليس معزولا عن كل قضايا الإصلاح في البلد، فكل واحدة من سلبيات النيابة والانتخابات هي امتداد لظاهرة موجودة في المجتمع والدولة تحتاج إلى رؤية وخطّة استراتيجية في مواجهتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة