هناك جهود كبيرة ومقدرة اشتغل بها عديدون لتوثيق الذاكرة الوطنية، ولا شكّ أن تاريخ المعارضة السياسية والأحزاب جزء أصيل من هذه الذاكرة، وفيها مساحة ذات بعد إنساني درامي خاص، وأقصد تاريخ الاعتقالات والسجون، وهي ليست شيئا نستحي منه ونخفيه، فهكذا هو تاريخ كل الدول والشعوب وأكثر الديمقراطيات ازدهارا شهدت مراحل مماثلة، وعلى الأقل فالتاريخ الأردني نظيف من الحروب الأهلية والصدامات العرقية والمذابح التي لطخت تاريخ العديد من الدول. وحتّى في تلك الحالات فالتأريخ والتوثيق شيء والموقف السياسي مما جرى شيء آخر. والولايات المتحدة شهدت حربا أهلية ضارية وقعت فيها مذابح رهيبة، ولكنّ هناك أطنانا من الوثائق وحرصا على توثيق كل تفصيل يتعلق بتلك الحقبة الرهيبة. وفي المانيا التي شهدت الحقبة النازية الأكثر خزيا، يميزون بين إدانة تلك الحقبة ونبذها والتوثيق الذي يستعيد كل تفاصيلها.
كنت قد كتبت قبل يومين لمحة قصيرة عن تجربتي مع الجفر بمناسبة قرار تحويل المكان إلى قرية أو معسكر شبابي ثقافي دائم. وأمس قرأت للزميل د. مهند مبيضين عن تفكيره بتوثيق ذاكرة المكان واتصاله مع مدير الأمن العام للحصول على تسهيلات من دون جدوى.
لا أعرف عن توثيق للقصص والأحداث في هذا المجال غير ما تناوله أدباء وروائيون، وهي لا تصلح الا جزئيا كتوثيق بصفتها هي نفسها جزءا من تداعيات وآثار تلك الحقبة على المستوى الأدبي، ولدينا توثيق جزئي للغاية من خلال بعض السير الذاتية لشخصيات سياسية. ووجود متطوع للقيام بهذا العمل يسدّ ثغرة، وآمل من الجهات المعنية أن تبدي كل تعاون في هذا المجال. ومن جهتي لست مؤرخا ولا روائيا ولم أكتب عن تجربتي ولم أوثق شيئا، ولكنني سأكون ممتنا لو طلب باحث أن أسرد له كل ما تختزنه الذاكرة من أحداث، مع أن الزمن كلما طال يغلف الكثير من التفاصيل بضباب النسيان.
وأنا أتحدث عن فترة ليست بالبعيدة، هي فترة الثمانينيات، فما بالك عن مرحلة الخمسينيات وما قبلها. والحقيقة هناك كثير من الأشياء الجميلة ذات عمق انساني وعاطفي مشبعة بالمعاني والدلالات، وهناك الكثير من الوقائع الطريفة التي تصلح للاستخدام، ويمكن ان توفر مصدرا ثريا من الحياة العملية لأي عمل درامي، وسيكون مؤسفا للغاية أن تختفي هذه التفاصيل الى الأبد مع أصحابها. كنت قد رويت في مقالي آنف الذكر القصة الطريفة عن استنبات عشب النجيل ليملأ باحات السجن في الجفر، وهناك عشرات القصص تروى ذات أبعاد انسانية عميقة؛ ومنها العلاقة مع الشرطة والجنود والإدارات. وهناك جانب من التاريخ السياسي كان يحدث داخل السجون، مثلا خلافات وانشقاقات تمتد من الخارج الى الداخل وبالعكس. وكثير من التفاصيل قد لا تبدو مهمّة لأصحابها، ولكن وجودها كوثائق محفوظة سيكون مهما لكل باحث، بل وأي عمل درامي يقوم على مشروع في مجال ما من التاريخ الأردني.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة