أ. أحمد إسماعيل
صحفي و كاتب سوداني


تزحف المؤامرات نحو ساحتنا كما تزحف الأفاعي..وتتخذ اشكالاً شتى وتغلف نفسها بجلود شتى..في هدوء تطبق فكيها على الفريسة، ويسري السم الزعاف في الجسد الذي أثخنته من قبل آلاف السهام.
خمسمائة مليون دولار رصدتها الولايات المتحدة لتطوير جيش الحركة الشعبية في الجنوب..تلك الحركة التي تسعى إلى واشنطن، وإلى البنتاغون لتشتكي لها تجاوزات القوات المسلحة السودانية وخروقاتها لاتفاقية السلام.. ومع ذلك تقول فريرز – تلك الكرة الأنثوية المنتفخة- إن أمريكا تدعم رؤية جون قرنق تفضل وحدة السودان، ولكنها لا تصادر حق الجنوبيين في الانفصال.
ونفس تلك المرأة الكرة تمد يدها إلى الخيط الآخر في دارفور فتمسكه بيد، والعصا بيد، وتصوِّب بصرها إلى عبد الواحد محمد نور المترنِّح في شوراع باريس، وتقول في تهديد (إذا لم يحضر إلى طرابلس فسيصيبنا بخيبة أمل).
وباقان أموم في واشنطن يفرش على الطاولة كل مراراته أحقاده ضد الشمال، ثم يحصد النتيجة من وزير الخزانة الأمريكي (استثناءاً للجنوب من العقوبات الأمريكية على السودان).
وأمريكا تلك التي تضع خطاً هنا وتعارضه بآخر هناك، تلعب لعبة مشكوفة جداً..(الوحدة أفضل ولا مشكلة في الانفصال)..وهذه هي طريقتها: فقد دعمت جون قرنق ووقفت مع رؤيته الطامحة إلى حكم السودان، تلك الرؤية التي تستند إلى الدعم والتخطيط الكنسي المجرم، الذي يرمي إلى استعادة ما يرونه أراضي مسيحية في الشمال...ثم عادت أمريكا بعد مصرع قرنق لتشجع الانفصاليين الجنوبيين وتمكن لهم في الدولة الوليدة في الجنوب..وهي الآن تغدق عليهم المال لتطوير جيش الحركة الشعبية في مقابل تطويق جيش الشمال. فإذا انفصل الجنوب انفصل بجيش قوي يدين بالولاء لأمريكا يمكنه أن يحقق الانتصارات ضد الشمال في المعارك التي ستنشأ بسبب مناطق النفط، ومثلث أبيي.بل ينتزع تلك المناطق، ويصبح مصدر توتر وعدم استقرار مستمر للشمال.أما في حال إذا أتاحت الظروف انتجت الظروف السياسية بلداً واحداً كان من السهل عليه بتركيبته المتمردة أن يجتاح الشمال المنهك الداهش الطائش.
لماذا تعود أمريكا إلى النقطة التي غادرت فيها جون قرنق، ودفعتها بعد مغادرته من حالق السماء ليحترق على أرض نيوسايت مع ركام الطائرة اليوغندية؟.ولماذا تحسب حسبتها على الكفتين معاً؟..
المعطيات أمامها تجعلها تقترب من النتيجة التي وصل إليها البريطانيون من قبل حين عدلوا في آخر لحظة عن فكرة فصل الجنوب التي وضعوا من أجلها قانون المناطق المفتوحة..(أنهم ليسو مؤهلين لأن يصنعوا دولة)..فالقبائل الجنوبية أعجز من أن تتحد، ومليشياتها لا تستطيع أن تنسى المرارات التي بينها..الجيش الشعبي نفسه موزع الولاءات..وكثير الململة والتمرد..
وسلفاكير مولع بتنظيف الأرض تحت أقدامها من مراكز القوة التي قد تحفر الأنفاق من تحته لتهوي به من على كرسيه..
وفاولينو ماتيب – رجل الحرب الذي صفى اتفاقية الخرطوم للسلام 1996م- يشعر بحركة المكنسة تقترب منه، فيصرخ إنه يستطيع أن يعلن عدم وجود حكومة في الجنوب، ولكن المكنسة تحوِّل جوبا إلى ساحة للصراع.
لقد قالها حكيم جنوبي من الشارع (نحن مثل الزجاج والشماليون بالنسبة لنا مثل الفللين، وألواح الزجاج قابلة للتكسّر إذا لم يعزل بينها الفللين).
أمريكا لعلها شعرت الآن بهذا الوضع فرجحت نظرية قرنق..ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن تقف بوجه سلفاكير باقان أموم وقيادات الحركة المسكونون بالانفصال، إلى درجة الدم والنار..إذاً فلتكن كل الأبواب مشرعة..وكل الطرقات سالكة. (إما جنوب في الجنوب..وإما جنوب في الشمال والجنوب)

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية