بقلم: راوية توفيق
كاتب من بوركينا فاسو مقيم في السودان
تعد أفريقيا ثاني أكبر قارات العالم مساحة بعد آسيا، وتحتضن عددا كبيرا من الأقطار (53دولة)، وتستحوذ على ثلث عضوية المنظمة الدولية، أما فيما يختص بالموارد الطيعية فإن الله قد حباها بموارد طبيعية متنوعة فى أجزاء واسعة منها.
فقد هيأ الله للقارة كثيرا من مقومات التنمية الإقتصادية والإثراء؛ المتمثلة في مصادر المياه من الأمطار الغزيرة والمياه الجوفية والبحيرات، كما يوجد فيها أحد أطول الأنهار في العالم (النيل)؛ الذي يوفر المياه للزراعة والشرب للإنسان والحيونات؛ مما ينعكس إيجابا على الإستقرار البشري، كما أن البحيرات المتعددة ومساقط المياه ومناطق الحيونات البرية النادرة المتعددة قد أتاحت لكثير من الدول الأفريقية الفرصة لتنمية صناعة السياحة. ومن جانب آخر؛ تتمتع دول أفريقيا بكميات وافرة من مخزون خام النفط والمعادن المختلفة؛ بما في ذلك المعادن ذات القيمة العالية والإستراتيجية، فهذه الموارد إذا تم استغلالها بكفاءة عالية تهيئ لدول القارة طفرة كبرى تؤدي إلى التحول الإقتصادى والاجتماعي المنشودة، فتتجاوز بها حالة العزلة السياسية والتهميش الإقتصادي والأزمات السياسية والأمنية، وكان من المتوقع أن تشهد أفريقيا في فترة الستينات نموا إقتصاديا بخطوات راسخة نحو الثراء، ويمكن ملاحظة ذلك في أوضاع بعض الدول الأفريقية خلال عقد الستينات من القرن الماضي؛ والتي كانت أكثر ثراءا من بعض مثيلاتها في آسيا، ولكن ظلت موارد وإمكانات أفريقيا إلى يومنا هذا موارد صماء قليلة القيمة، وما تم استغلاله منها كان في شكل موارد خام تم نهبها بواسطة المستعمرين لمقابلة احتياجات المصانع الكبرى في أوربا. وبعد الإستقلال السياسي استمرت الشركات الكبرى في الدول الغربية في نهب موارد القارة، وجاء ذلك بسبب الإدارات الإستعمارية التي أهملت تدريب الكوادر السياسية والإقتصادية -في الدول التي نالت إستقلالها- على إدارة اقتصادياتها ومواردها بكفاءة. بذلك استمرت الشعوب الأفريقية إبان حكم الإستعمار وبعده تعاني من الفقر والأمراض والحروب والجهل، وعرضة للكوارث الطبيعية، مما عمق فشل الدول الأفريقية وحكوماتها بعد الإستقلال في تجاوز الأزمات المختلفة، والتي أصبحت السمة السائدة في معظم دول القارة.
ولعل من أبرز عوائق وأسباب هذا الفشل أن الحكومات الأفريقية انشغلت بالصراعات القبلية والحروب الأهلية والإقليمية التي غرس بذورها الإستعمار الغربي الذي رسم حدودا جغرافية مبهمة بين الدول الأفريقية؛ حيث لم يراع في تحديدها التداخل السكاني بين الدولة والأخرى، وبذلك استطاع المستعمر تحويل القدرات التي كان يمكن استغلالها في تطوير الموارد واستخدامها في عملية التنمية اإلى الإنشغال بالصراعات في إطار سياسة المستعمر، ثم تطورت الصراعات إلى انقلابات عسكرية، الأمر الذي أدى إلى اختلال الإستقرار السياسي وتدهور المستوى الإداري؛ خاصة الإدارة الإقتصادية، وكان أهم ساحات تلك الصراعات في أفريقيا هي دول:- الصومال، السودان- اثيوبيا- إرتريا- موزمبيق- أنغولا- أوغندا- رواند- ليبيريا- زائير(الكونغو حاليا)- ساحل العاج- أفريقيا الوسطى- نيجيريا - تشاد- سيراليون .....إلخ.
وهكذا دخلت أفريقيا في سلسلة من الصراعات، وواجهت مآسي الفقر والمرض والجهل والإفتقار إلى الحريات العامة وحقوق الإنسان، وذلك في الوقت الذي كان فيه العالم من حولها يعيش في ظل تحولات إقتصادية واجتماعية وسياسية مذهلة؛ خاصة خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي.
إن الإنكفاء على الذات، وعدم القدرة على الإنفتاح على العالم الخارجي أفقد أفريقيا فرص الإستفادة من الميزات التي تتيحها العولمة وثورة التكنولوجيا الحديثة.
وفي ذات الوقت؛ عرضها إلى مخاطر العولمة والتهميش الإقتصادي والعزلة السياسية، فتعرضت كثير من دولها إلى مزيد من التدهور الإقتصادي والإجتماعي؛ فتفاقمت أوضاع الفقر والجوع والمرض والجهل، وأدى ذلك كله إلى مزيد من حرمان شعوبها من التمتع بالحياة الكريمة والحقوق الأساسية بما في ذلك حقوق الإنسان، كغيرها من شعوب العالم، وقد استنبطت هذه العزلة وجرت إلى أفريقيا مزيدا من الفقر واختلال حالات الأمن وعدم الإستقرار السياسي.
وبما أن حالة التهميش والعزلة التي تعاني منها أفريقيا وشعوبها اليوم ليست حالة إستثنائية، فإن ضعف قدرة البلاد الأفريقية على إعادة تجميع قواها وترتيب أوضاعها الإقتصادية والسياسية من أجل التصدي لتلك الحالة؛ من شأنه أن يوسع فجوات النمو والإزدهار بينها وبين العالم الخارجي، فتؤدي إلى مزيد من التهميش والعزلة والفقر والإختلال الأمني والإضطراب السياسي خاصة دول جنوب الصحراء، حيث بلغ عدد المواطنين الذين يعيشون تحت حد الفقر حوالى 300 مليون نسمة بمستوى دخل الفرد 0.65 دولار أو أقل في اليوم، وهذا ما يقوله تقارير الأممية للتنمية، ويمثل هذا الرقم ما يعادل حوالي نصف سكان القارة، وما زال هذا الرقم في ارتفاع مستمر، هذا إلى جانب افتقار هؤلاء الفقراء إلى المقومات الإحتماعية والخدمات الأساسية؛ مثل التعليم والصحة ومياه الشرب النقية، ويشكل الفقراء في الريف حوالى 80% من جملة فقراء أفريقيا؛ مما يشير إلى الفوارق الكبيرة في توزيع الدخول بين القطاعات الإجتماعية المختلفة.
ومما يعمق معاناة شعوب القارة تفشي الأمراض المعدية والوبائية خاصة الملاريا ومرض نقص المناعة المكتسبة "الأيدز"؛ والتي تصطاد ضحاياها من بين الشباب الذين يشكلون عصب القوى العاملة في القارة، وبالتالي تأثيرها السالب على الإنتاج، علما بأن مكافحة هذه الأمراض والأوبئة تستنزف موارد مالية لتلك الدول، مما يضيف إلى أعباء موارد الميزانيات الشحيحة، والتي تعاني أصلا من الضعف، إلى جانب المشاكل الإجتماعية التي تخلفها تلك الأمراض؛ مثل الأرامل والأيتام الذين فقدوا أزواجهم وآباؤهم. وكل هذه النخب والحكومات الافريقية عاجزة في فعل شيء لإنقاذ القارة من الحالة التي هي فيها في الوقت الذي نرى شعوب العالم تتسابق إلى المريخ؛ وشعوب القارة أو غالبيتها تفقد أساسيات الحياة، وحكوماتها منشغلة بخلافاتها والقمم غير المجدية والفارغة من مضمونها قبل الإنعقاد، فإلى متى يظل أبناء القارة فى هذا البؤس؟؟؟.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
تاريخ العلوم الاجتماعية