وهم يتجهون إلى الطاولات بعد الاستماع إلى حديث جلالة الملك أمس، مازح نواب زملاءهم قائلين: هذا هو "الغداء الأخير"؛ وهم يقصدون إعطاء رأيهم في كلمة جلالة الملك بأن حل مجلس النواب بات وشيكا.
لكن هذا لم يكن بالضرورة الاستخلاص الحاسم والمتفق عليه؛ فحديث الملك تضمن رسالة واحدة، تطلب من النواب العمل بجدّ ومثابرة ودونما تعطيل لإنجاز قوانين الإصلاح هذا العام. وعلى الغداء، دافع رئيس اللجنة القانونية عن المجلس وإرادته الإصلاحية واللجان التي تعمل دونما تباطؤ، فتساءل الملك قائلا: إذا عملتم بجد وشفافية ونزاهة لإنجاز القوانين الإصلاحية، فلماذا تقلقون؟!
لكل واحد أن يخرج بالاستنتاج الذي يشاء. وبالنسبة لي، فالاستنتاج الصحيح والوحيد هو المضي قدما بعزيمة إصلاحية جادّة لإنجاز القوانين المطلوبة في هذه الدورة، والباقي يأتي في وقته، ولا يجوز أن يكون همّنا ويقرر أداءنا! وأسوأ ما يمكن أن يقع هو فعلا ظهور تباطؤ وتلكؤ مقصودين لإطالة عمر المجلس وحمايته من الحلّ، فهذا يسيء للمجلس في عيون الرأي العام، ويزيد السخط وانعدام الثقة في المؤسسات؛ وبدل توجيه الناس إلى المطالب الصحيحة للتغيير وتحسين حياتها ومستقبلها عبر إصلاح القوانين والمؤسسات، تصبح الإطاحة بمجلس النواب هي المطلب الشعبي الكبير!
جلالة الملك لم يشر في كلمته، تصريحا أو تلميحا، إلى الجدل الدائر حول لجان مكافحة الفساد في المجلس، والتي يحلو للبعض تحميلها مسؤولية التباطؤ في التشريع. ونحن نقول من عندنا إن لجان مكافحة الفساد لم تقف عائقا أمام التشريع، ولا تتعطل أي من اللجان الدائمة في المجلس والتي تحال إليها القوانين بسبب انشغال اللجان المؤقتة بقضايا الفساد، بل إن الكثير من قضايا التحقق أحيلت إلى لجان دائمة لأنه ليس لديها مشاغل تشريعية.
والأهم أن هذا العمل بالذات، أي اضطلاع المجلس بالدور الرقابي كاملا بدون قيود أو "وصاية"، هو بذاته أحد محاور الإصلاح المنشود، أي اضطلاع المؤسسات التمثيلية للشعب بسلطتها الكاملة وغير المنقوصة في الرقابة والمساءلة، وليس في هذا أي مزاحمة للسلطة القضائية، فلجان المجلس لا تمارس تحقيقا قضائيا ولا تصدر أحكاما، بل تدقق وتتحقق بوصفها الرقيب الممثل للشعب، وإذا توجست خللا ترسل إلى القضاء أو الهيئة المختصة بالتحقيق في الفساد. وبالمناسبة، فما يعمله المجلس لا يتناقض مع، ولا يحول دون عمل هيئة مكافحة الفساد أو النائب العام في القضايا نفسها. ولذلك رأينا في فرط اللجان وانتزاع القضايا من المجلس طعنة نجلاء للإصلاح ولدور المجلس الرقابي.
حين أرى ممارسات من نوع ما جرى مؤخرا في مجلس النواب، ينتابني الشك فيما إذا كنّا ذاهبين إلى إصلاح حقيقي يعيد للمواطن سيادته في وطنه، ويجعله شريكا حقيقيا ومسؤولا عن القرار عبر انتخابات دورية حرّة تجعل التزوير ذكرى غابرة من عصر آخر. ولا يعيد لي ثقتي إلا الاستماع إلى جلالة الملك، وهو ما حصلنا عليه مجددا أمس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة