مشروع فينكس (بالإنجليزية: Phoenix) (يعني بالعربية العنقاء) هو عبارة عن مشروعٌ يندرج ضمن استراتيجية جديدة لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا لجعل الكشف عن الماء المهمَّة الأساسية للرحلات الآلية القادمة على سطح كوكب المريخ، تحت عنوان "following water" (ملاحقة الماء).
وخلافاً لمهمات العربات الآلية لمشروع عربة استكشاف المريخ (Mars Exploration Rover) المتبلورة في مسباريسبيريت وأبورتيونيتي، فإن مسبار فينكس سيقوم بتحليل الظروف البيئية المناسبة لحياة المجهرية المحتملة في منطقة سهول جليدية مسماة "Vastitas Borealis"، وهي قريبة من القطب الشمالي للكوكب الأحمر. أطلق الصاروخ الحامل لمسبار فينكس بنجاح في يوم 4 اب عام 2007 من قاعدة كاب كانافيرال الجوية في فلوريدا، وهبط المسبار فوق سطح المريخ يوم 25 مايو عام 2008. يقوم بالإشراف على المهمة الدولية المختبر القمري والكوكبي (Lunar and Planetary Laboratory) التابع لجامعة أريزونا بتوجيهٍ من وكالة ناسا وبمساهمة مجموعة من المختبرات الجامعية في كندا (وكالة الفضاء الكندية) وألمانيا وسويسرا وفنلندا وكذلك مجموعة مراكز وأبحاث صناعات الفضاء.

المشروع وطبيعة المهمة

في شهر اب عام 2003، وقع اختيار مشروع "فينكس" لتشرف عليه جامعة أريزونا من قبل لجنة مشكلة لناسا، على أن يبدأ تطبيق المشروع الفعلي في عام 2007، وذلك لإنشاء مهمات فضائية متكاملة وقليلة التكلفة ضمن برنامج اسكتشاف كوكب المريخ. كان المشروع المنتقى نتاج عمل دؤوبٍ دام سنتين في جو من المنافسة الشديدة مع عدة مؤسسات أخرى للأبحاث. وقد قامت ناسا بتخصيص ميزانية 325 مليون دولار أمريكي للمشروع، أي ما يعادل ستة أضعاف ما أنفق في أي مشروع بحثيٍّ في هذه الجامعة. كلَّفت اللجنة بيتر سميث - أحد أعضاء المختبر القمري والكوكبي - بإدارة المهمة، ومن ثمَّ التحقت بتطوير المشروع عدة مختبرات جامعية ومراكز بحثية وصناعية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، ووزِّعَت مهامها كالآتي:
•مختبر الدفع النفاث (بسادينا، كاليفورنيا): يقوم بالتخطيط لمسار الرحلة والتحكُّم بها.
•شركة لوكهيد-مارتن (دنفر، كولورادو): أوكلت بتصنيع المسبار الفضائي وتجربته.
•وكالة الفضاء الكندية: وفَّرت محطة أرصاد جوية مصغرة تحتوي على مجس متطور يعمل بأشعة الليزر.
•قامت بصنع بقية المكونات وإجراء جزءٍ من الاختباراتِ مؤسَّسات أخرى، منها - على سبيل الذكر - معهد ماكس بلانك (ألمانيا)، ومركز البحث أمس (كاليفورنيا)، ومركز لندون بي جونسون للفضاء (تكساس) التابعين لناسا، وشركة Optech Incorporated الكندية، بالإضافة إلى العديد من مراكز البحث الجامعية في الولايات المتحدة وكندا وسويسرا.
وُقِّعَت المراجعة النهائية للمشروع من حيث الاستعداد والتصاميم المبدئية في 2 يوليو عام 2005، ووافقت عليه ناسا ليبدأ العمل به حسب المخطَّط. وقد سُمِّيَ المشروع بـ"فينكس" (بالإنجليزية: Phoenix) نسبةً لطائر العنقاء (أو الفينيق) الخرافي، والذي - كما تقول الأسطورة - يحترق ويًولَد من جديد من رماده.

الإطلاق وعملية الهبوط

حيث حُدِّدَ الإطلاق مبدئيًا في فترة زمنية تمتد من 3 إلى 24 أغسطس من مركب الإطلاق Pad 17-A بقاعدة كاب كنافرل للقوات الجوية، وكان متوقعاً أن يكون ذلك قبل يوم الثلاثاء 7 أغسطس لأن موعد إطلاق مسبار فضائي آخر (مهمة داون) من نفس الموقع كان يُهدِّد بتأجيل الموعد حتى شهر سبتمبر عام 2007. وقعت عملية إطلاق المسبار فينيكس فعلياً يوم السبت 4 أغسطس 2007، عند الساعة 5:26:34 صباحاً (بالتوقيت المحلي) على متن الحامل الصاروخي دلتا من الجيل الثاني (7925 Delta).
وقد أجريت العملية بنجاح ومن دون مشاكل تذكر، ووُضع المسبار فينيكس في المسار المحدد بدقة. ومن الملاحظ أن الحامل الصاروخي دلتا-2 صار يُعتمد عليه بكثرة في هذه المهام، خاصة بعد إطلاقه الناجح لمسباري سبيريت وأوبرتيونيتي (مهمة عربة استكشاف المريخ - MER - عام 2003 ولمسبار مشروع مارس باثفايندر الشهير عام 1996. كان المخطط أن تبلغ المركبة المريخ في العام 2008، وعندها ستخترق غلافه الجوي بسرعة 20277 كلم في الساعة، حيث سيعمل درع واقٍ على حماية أجهزة المسبار من الحرارة المرتفعة في أسفل المركبة وعلى امتصاص الجزء الأكبر من الطاقة الناتجة عن الاحتكاك. وحالما تصل سرعة المركبة حوالي 1207 كلم في الساعة، ستُفتَح مظلات للتخفيف من سرعة سقوطها، ومع اقتراب المركبة من السطح سينفصل الدرع الواقي وستفتح ركائز وتشتغل محركات صاروخية تعمل عكسياً بغرض تهدئة الهبوط وإتمامه (Retrorocket).

 

خلافاُ لمسباري سبيريت وأبورتيونيتي، كان من المخطَّط أن يحط المسبار فينيكس بطريقة مشابهة لمسبار فايكنغ مع تغييرات بسيطة ويفتح ألواحه الشمسية ليبدأ عمله. ولكن تقريراً ورد في عام 2007 من جمعية الفلك الأمريكية بيَّن أن استعمال قاذفات ذات الدفع الطردي في تخفيف السرعة عند الهبوط - على طريقة فايكنيغ - قد يؤدي إلى تغيُّرات في الطبيعة الكيميائية للتربة ويفني أشكال الحياة التي قد تكون متواجدة على موقع الهبوط. وقد عكف علماء الأحياء العاملون بالمشروع على دراسة هذه الفرضية، وإمكانية اجراء تعديلات في طريقة أخذ العينات باعتبار أن المسبار غير متحرّك.

الأهداف العلمية

للمسبار فينيكس مهمَّتان اساسيتان سيخصَّص لهما حوالي 90 يوماً أرضياً. تتمثل الأولى في دراسة التاريخ الجيوليوجي للمياه على سطح المريخ، وسيساعد ذلك على فهم طبيعة التغيرات المناخية التي طرأت على الكوكب منذ ملايين السنين. أما المهمة الثانية فهي مبنية على فرضية، وهي البحث عن علامات حياة مجهرية قد تكون وجدت في وقت ما عندما كانت المياه في حالة سائلة. لذلك اختير مكان الهبوط بعناية في المنطقة القطبية الشمالية (68° شمالاً على دائرة عرض، 233° شرقاً على دائرة الطول) حيث يوجد سهل ممتد في منطقة الأراضي المنخفضة الشمالية يُسمَّى "فاستيتاس بوريليس" (بالإنكليزية: Vastitas Borealis)، وهو لا يحتوي الكثير من الكتل الصخرية، وتتواجد فيه كميات هائلة من الجليد تحت السطح، إذ تتحول في فصل الصيف المريخي إلى سحب من بخار الماء (أي أن الماء يمر من الحالة الصلبة مباشرةً إلى حالة غاز). سيقوم المسبار بالحفر إلى عمق نصف متر تقريباً تحت السطح لاستخراج العينات وتحليلها بفضل عدة أجهزة ومجسات متطورة، وهناك مختبر مصغَّر داخل المسبار فينيكس مجهز لقياس الخصائص الفيزيائية للعينات (مثل الموصلية الكهربائية ودرجة الحرارة) ودراسة بنيتها بواسطة ميكروسكوب القوة الذرية، ومن ثم يقوم بتسخينها في فرن خاصٍّ لدرجة 950° مئوية ويُمرِّرها خلال مطياف الكتلة الذي يكشف عن مختلف الجزيئات الكيميائية وتركيزها. ويأمل العلماء أن تكون هناك علامات لحياة بكتيرية تحت السطح، حيث تتحمل بعض أنواع البكتيريا الأرضية مثل اللستيريا (بالإنكليزية: Listeria) درجات الحرارة المنخفضة، وتكون في حالة أبواغ تعود للنشاط عندما تصل درجة الحرارة إلى 20° مئوية تحت الصفر.

 

سيدرس المسبار أيضاً الغلاف الجوي للمريخ منذ رحلة هبوطه على علو 20 كلم، كما أنه سيلتقط صوراً ثلاثية الأبعاد وفائقة الجودة لسطح الكوكب في موقع الهبوط بفضل أجهزة التصوير ذات الرؤية المجسمة (بالإنكليزية: Surface Stereo Imager) المخصصة لهذا الغرض.

النزول على سطح المريخ

نزل المسبار فينكس بنجاحٍ على سطح المريخ في منطقة الوادي الأخضر (Green Valley) يوم 25 مايو عام 2008.  وهي فترة نهاية فصل الربيع في نصف الكرة الشمالي، حيث ستقوم الشمس بتغذية المسبار بالكهرباء طيلة اليوم المريخي.

الخصائص التقنية

رُكِّبَ مسبار "فينكيس" في مصانع شركة مارتن-لوكهيد حول قاعدة كانت مخصَّصة أصلاً لمركبة "مارس سورفيور" (Mars Surveyor) التي كانت ستنطلق سنة 2001، تخلَّت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن هذا المشروع بعد تحطم مسبار "مارس بولار لاندر" (Mars Polar Lander) على سطح المريخ سنة 1999، وذلك إثر عطلٍ فنيٍّ طرأ أثناء عملية النزول. وقد "ورث" المسبار الجديد الكثير من المُعَدَّات التي تعود لهذه المهمة الملغاة.
يحمل مسبار "فينكس" عدداً من المعدات العلمية والمجسات المتطورة بمثابة مختبر مصغر، وتبلغ كتلتها حوالي 55 كيلوغراماً. تتكفَّل هذه الأنظمة بتحميل العينات وتحليلها، وتحتوي أجهزةً للتصوير والإجهار والتحليل الفيزيائي والكيميائي الدقيق. كما خُصِّصت محطة أرصاد وقياسات جوية مدمجة لدراسة غلاف المريخ الغازي, قامت كندا بتجهيزها.

 

يحتوي مسبار "فينيكس" على ثمانية أنظمة أساسية متكاملة، دون احتساب المعدات العلمية، وهي كالآتي:
1.حاسوب يعمل على قيادة المسبار ومعالجة المعلومات.
2.منظومة كهربائية تزود أجزاء المسبار بالطاقة اللازمة بواسطة بطاريات وألواح شمسية.
3.منظومة اتصالات يمكنها إرسال واستقبال المعلومات، سواء من الأرض أو من المركبات المدارية مثل "مارس أوديسي" (Mars Odyssey) ومارس ريكونيسانس أوربيتر.
4.جهاز ملاحة متطور يمكِّن من اختيار المكان المناسب للهبوط وتسيير عملية نزول آمنة فوق سطح الكوكب.
5.جهاز دفع نفاث يتكون من ستة محركات تعمل بوقود الهيدرازين (Hydrazine).
6.هيكل المسبار، وهو مقاوم للتغير المفاجئ لدرجات الحرارة والصدمات.
7.محركات كهربائية تعمل على توجيه أجزاء المسبار.
8.منظومة تحكم حرارية تؤمِّن درجة حرارة مناسبة وحيوية لتشغيل أجهزة المسبار في جو المريخ البارد (درجة الحرارة المتوسطة فوق سطح المريخ 46° مئوية تحت الصفر، وقد تكون أقل من ذلك بكثير في المنطقة القطبية).


المراجع

areq.net

التصانيف

مسابر فضاء في المريخ  البرنامج الفضائي الأمريكي   العلوم التطبيقية   فضاء