مجلس النواب، مثل الحكومة وبقية مؤسسات الدولة، تدور عجلته بتثاقل. ثم، وكأن الآليات القديمة الموروثة لا تكفي، فقد زيد عدد المجلس إلى 150 عضوا، لتصبح حركته أكثر ثقلا وصعوبة، هذا في الوقت الذي نحتاج فيه إلى ديناميكية عالية جدا لإنجاز ملفات الإصلاح والتشريعات الخاصة بها، وكلها ملحة. والمشكلة تبدأ من عملية إنشاء القرار، وهي بطيئة ومتحفظة؛ وتتأكد في المسارات التشريعية القديمة للقوانين، وهي نفسها بحاجة إلى إصلاح.
لنأخذ قانون الضمان الاجتماعي المؤقت على سبيل المثال. فقد بدأ بحثه في اللجنة المختصة في البرلمان الماضي. وحُلّ البرلمان قبل أن تنتهي اللجنة منه. وقد استأنفت لجنة العمل في البرلمان الحالي بحثه من نقطة البداية، واحتاجت إلى اجتماعات شبه يومية لتقطع فيه أشواطا، ولم تنته من عملها بعد، وقد لا تتمكن من إحالته إلى المجلس في هذه الدورة. ولو تمكنت، فيمكن أن نتخيل كم سيأخذ من وقت الجلسات العامة بطريقة النقاش القائمة حاليا!
أما قانون المالكين والمستأجرين المعدل، والمحصور النقاش فيه ببنود محدودة في مادتين، فهو أيضا قادم من البرلمان الماضي. وأمكن الانتهاء منه وتحويله إلى مجلس الأعيان قبل ثلاثة أسابيع فقط، ولم تبدأ للجنة القانونية للأعيان نقاشه بعد. وهي إذا أجرت تعديلات على مقترحات النواب ووافق عليها مجلس الأعيان، فسيؤدي ذلك إلى عودة القانون مجددا إلى النواب في جولة جديدة. وإذا لم يوافقوا رأي الاعيان، فيتوجب عقد جلسة مشتركة بين المجلسين لحسم الأمر. وكل ذلك حتما لن ينتهي في الدورة الحالية، وسيذهب إلى الدورة المقبلة! وهذا بالنسبة لقانون ينتظره الجمهور على أحر من الجمر، لحسم المشاكل العالقة لآلاف القضايا بين المالكين والمستأجرين، وهي استمرت مؤجلة من البرلمان الماضي. وكل يوم تأخير يعني قرارا مصيريا لعدد إضافي من المواطنين، يتعلق به مستقبل حياتهم.
وكان يفترض أن العودة بضريبة الدخل إلى التصاعدية هي جزء من رزمة الإجراءات لمواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية، بهدف توزيع الأعباء بصورة أكثر عدالة على الفئات الاجتماعية. لكن مشروع القانون المعدل لم يبدأ نقاشه بعد، وليس محتملا أن يُنجز في الدورة الحالية.
أما قانون البلديات، فلم تطرحه الحكومة على جدول أعمالها حتى ضاق الوقت بوجود موعد للانتخابات المقبلة بسقف 15 أيلول (سبتمبر)، فأعفت الحكومة نفسها من التغيير. ويمكن أن نتخيل أن الحكومة إذا أجرت الانتخابات بالقانون القديم، فسوف تضع قضية تغيير القانون وراء ظهرها؛ فهناك دائماً أولويات أخرى متأخرة يتوجب إنجازها.
ونرى هذا التثاقل والتباطؤ والتعثر ونحن بصدد قوانين هي جزء من الإصلاح، لكنها غير سياسية؛ فكيف يمكن تصور برنامج سريع وجوهري لإنجاز التشريعات الإصلاحية السياسية، وبعضها ما يزال أفكارا في ذهن القوى الإصلاحية في المجتمع؟
أما قانون الإصلاح الخاص بالمجلس نفسه؛ أي النظام الداخلي لمجلس النواب، فتوشك اللجنة القانونية أن تنتهي منه الآن، وقد يحول إلى المجلس ليبدأ نقاشه خلال أسبوعين. ونضع يدنا على قلبنا خشية أن لا يُنجز في الدورة الحالية، مما يعني أن المجلس سيعمل بالآليات القديمة البائسة عاما آخر. ونحن حقاً لا نملك ترف الاستمرار بالأساليب القديمة، ويجب أن يتجاوز نقاش النظام الداخلي الآليات القديمة، ووضع صيغة فعالة ومبتكرة لإنجازه بأسرع وقت.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة