وجّهت لي المذيعة سؤالا عن رأيي في الدعوة لحملة مقاطعة شعبية للاتصالات الخلوية، فوافقت مؤيدا، ومتمنيا نجاح مثل هذه الحملة. وأعدت التذكير بحملة مقاطعة القهوة التي دعت لها جمعية حماية المستهلك ذات مرة، وكانت حملة ناجحة ومؤثرة.
قلت ذلك وأنا في داخلي أقل تفاؤلا بنجاح هكذا مشروع، بسبب إيغال الأردنيين في العادات الاستهلاكية السيئة التي تتركهم مسلوبي الإرادة؛ ضحية للترويج الاستهلاكي البشع، والعروض المغرية للكلام أكثر وأكثر وأكثر، مع عروض لأجهزة جديدة متغيرة كل يوم من الشركة ذاتها؛ تجعل الجهاز الذي اشتريته قبل أشهر قديما للغاية، تجاوزه الزمن بعدة أجيال، لكن بفروقات تافهة تضخمها الدعاية، وتدفع الشباب إلى شراء الأجهزة الجديدة على حساب خمسين أولوية أخرى.
وصول الناس إلى الالتزام بموقف جماعي معين، مثل الامتناع عن شراء سلعة معينة، يعني أننا قطعنا شوطا عظيما من التقدم كأعضاء في المجتمع الواحد. لكن الواقع، مع الأسف، هو أننا نتراجع ولا نتقدم. وقضية المقاطعة هي امتحان لنا على هذا الصعيد. فإذا كنا فعلا نريد القيام بمسؤولياتنا، وأن نُظهر استحقاقنا لتراجع الحكومة عن قرار زيادة الضرائب على الهواتف والمكالمات الخلوية، فليبدأ كل واحد بنفسه.
وأنا لا أقول بالتوقف نهائيا عن استخدام الخلوي، بل تقنين استخدامه إلى الحد الأدنى الضروري. وأجزم أن كل شخص يستطيع تخفيض عدد وفترة مكالماته إلى ثلث مستواها الحالي على الأقل. وكم مرة يأتيني مراجعون يحاصرونك بالشكوى من ضيق ذات اليد، ثم تلاحظ أنهم يحملون أكثر من جهاز خلوي، ويتكلمون بها بلا حساب، ثم يلاحقونك بالمكالمات المطولة جدا لشرح ظروفهم ودخلهم المتدني والتزاماتهم الكثيرة!
إذا ظهر خلال الأيام المقبلة أن الناس ما يزالون يستهلكون الاتصالات الخلوية كالسابق، فلم يجب أن تفكر الحكومة في إعادة النظر في قرارها؟ يجب أن ينحدر دخل الحكومة من الضرائب على المكالمات والأجهزة إلى ما دون ما كان عليه قبل الرفع، لكي تقتنع أن الخطوة لم تكن مفيدة. وهذا بالمناسبة ما حصل في موضوع السجائر؛ إذ انخفض شراء السجائر الشرعية وراج شراء السجائر المهربة، وبالمحصلة وجدت الحكومة أن رفع أسعار السجائر حقق نتيجة معاكسة، فانخفض دخلها منها بدل أن يرتفع.
في كل الأحوال، ليس طيبا ولا صحيا استهلاك المزيد من الدخان أو المكالمات الخلوية. وإذا لم يؤد تخفيض الناس لاستخدام الخلوي إلى إجبار الحكومة على التراجع عن قرار زيادة الضرائب، فيكون أدى الغرض بتحسين سلوك الناس وتقليل إنفاقهم الزائد والخاطئ في هذا المجال.
طبعا، الضرائب الحكومية على الخلوي وعلى السجائر وعلى الكحول جائرة للغاية، لكننا نحتار بشأن المطالبة بتخفيضها؛ فذلك يكاد يساوي التشجيع على استهلاكها، وهو ما ندعو إلى نقيضه. وكان نواب قد اقترحوا في حينه استبدال رفع سعر المحروقات بضرائب إضافية على الاتصالات والأجهزة الخلوية، وهي باتت سلعة ترفيه عجيبة، تسلب العقول، ويتسع استهلاكها لجميع الفئات، بما في ذلك الفقيرة، وتحصل منها الحكومة على ضرائب لو فرضتها كجباية مباشرة على جيب المواطن، لقادت على الأرجح إلى ثورة شعبية!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة